Social Icons

الرسالة الثالثة والاربعون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساءك سكر
ربما أجمل ما في أغاني أم كلثوم يا مدن انك في كل مرة تسمعينها تكتشفين فيها جمالا جديدا
جملة لحنية رقيقة
كوبليه شديد العذوبة
تنهيدة ، آهه
المهم انك كل مرة تخرجين بمتعة جديدة
ورغم قناعتي التامة بهذا الامر الا انك لو سألتني قبل يومين عن الجديد الذي قد اكتشفه في رائعة بيرم التونسي " هو صحيح الهوى غلاب" فربما مر بخاطري كل كلمة من الاغنية الا ذلك الجزء الذي سأكتب لك عنه اليوم
" إزاي يا ترى ؟ اهو ده اللي جرى! "
تلك الجملة القصيرة البسيطة التي احسبها  أبلغ ما كتب في وصف الحب بغموضه الساحر الآسر العجيب
قديما قالو : "لو لم يكن سرا لم يكن حبا"
والسر هنا لا يعني الكتمان بالطبع ياسارة
فالعاشق الحق لا يقوى  أبدا على الكتمان
إذ يتبدى الحب في كل التفاته ملهوفة ناحية الحبيب
وفي كل رعدة تسري بخلاياه إذا ماهل
يتبدى في تلك النبرة شديدة الخصوصية التى لا يخاطب بها احد سوى الحبيب
في البهجة التي تشع من مسامه في حضرتة
في تلك اللجلجة التي تصيبه إذا ما اتى ذكر الحبيب  امامه على حين غره
وحتى في البعد يا مدن لا يقوى العاشق على مداراة حبه
إذ تفضحه نظرته الزائغة بحثا عن أثر الحبيب وطيفه
ويفيض منه الوله والوجد حتى ليدرك كل من كان له قلب انه عاشق بالبعد مبتلى
فما معني " السر" إذن
السر هو الغموض التام الذي يميز حالة الحب
فجأة وبلا مقدمات
يصبح قلبه بين إصبعي الحبيب
إن شاء منح فيحلق في سماوات الهناء والسرور
وإن شاء منع فيغرق في غيابات الحزن والاسى
فجاة
يتلاشى الزحام والضوضاء
ينكسر الحر
تزهر الاشجار
و تصبح جميع الألوان زاهية
متى حدث كل هذا؟ وكيف؟
يحاول العاشق جاهدا ان يتذكر فلا يستطيع
بل الأدهى أن يعجز حتى ان يتذكر كيف كان حاله قبل تلك اللحظة الساحرة
كيف كان يشعر؟
وكيف كان يرى العالم؟
لا يدري
وتصبح المسالة ليست عن  حياة جميلة واخرى سيئة أو عن شعور بالسعادة وإحساس بالحزن
بل تصبح المقارنة بين الحب واللاحب
كالمقارنة بين الوجود والعدم
بين الحياة والموت
وكأن حالة الحب هي حالة الحضور الطاغي للروح
حالة الوهج والسطوع
وكل ما سواها يبدو امامها خافتا وباهتا ومهينا
ليس ثمة دهشة إذن لم نجد إجابة لأسئلة الحب سوى تلك العبارة العبقرية
"إزاي يا ترى ؟ اهو ده اللي جري! وأنا ما أعرفش .. ما أعرفش أنا"
عدا أن هناك سؤال واحد مازال يمكن الاجابة عليه
ذلك أنه ليس فقط عن الحب
ولكنه أيضا عن الخذلان
لماذا يا مدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟
فهل هناك أمل أن أحصل علي تلك الإجابة قبل رسالتي القادمة؟
هذا طبعًا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها.

المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثانية والاربعون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
تمر الايام والشهور
تفوت السنوات تلو السنوات
يتلاشى العمر أمامنا كشهاب يحترق ولاشئ  يزيد سوى تلك الأشياء التي كنا نتمنى لو فعلناها
القرارات التي أجلتها حيرتنا وترددنا  وجبننا حتى فات أوانها
الهوايات التي لم نمارسها خوفا من كلام الناس
الأشخاص الذين تركناهم لدوامة الغياب تبتلعهم حفاظا على كبرياء زائف
ما الذي منعنا من التمسك بهم كما ينبغي ؟
كما يتمسك الاطفال بكفوف امهاتهم في الاسواق
لو أنا حتى أتـقـنَـا الوداع ؟
عندما أنقذ فورست جامب صديقه بوب من النيران في الحرب
وبينما بوب يحتضر قال له فورست (هاي بوب)
شعر فورست بعدها بالندم وقال انه لو كان يعلم انها المرة الاخيرة لكان قال شيئا آخر
شيئا أكثر أهمية
لا بأس
أظن أنه كان سيندم على أية حال
مهما كانت الكلمة التي قالها
كل الكلمات تبدو أقل أهمية ساعة الوداع يا مدن
كل الكلمات
لاشئ يناسب الوداع سوى الحضن
هو الوحيد القادر على تخفيف الندبة التي يخلفها الوداع في الروح
لماذا لم تمنحيني ذلك الحضن قبل غيابك يا مدن؟
أليس هناك وسيلة لمتحينني إياه الآن؟
ثم تغيبين من جديد
في أحد لأفلام الامريكية قابل البطل حبيبته بعد عدة أيام من مشاجرتهم معا
فلم تتذكره!
لم تكن تتظاهر بذلك
كانت حقا قد نسيته تماما
فكرت وأنا أشاهد الفيلم تلك الأغنية التي قلت لي مطلعها فأكملته لك
لم تصدقيني  وقتها حين اخبرتك أنني لم أسمعها من قبل
لا أدري ما علاقة ذلك الموقف بهذا الفيلم لكنني تذكرته
تذكرت أيضا اننا لم نتشاجر قط  قبل غيابك
فكيف نسيتني إذن؟
ومتى؟
ولم؟
اندهش البطل من موقف حبيبته ولم يصدق انها نسيته بهذه السرعة
ثم اكتشف أن طبيبا في المدينة يستطيع محو الذكريات ليمنح عملاءه حياة جديدة
وعندما سأله عن حبيبته أخبره الطبيب أنها أرادت فقط أن تنطلق
أنا أيضا اريد أن انطلق يامدن
تتسرب الأيام من بين أصابعي كحبات رمل ساخنه وانا قابع في نفس البقعة لا ابرحها
أحاول الهرب
أعدو بكل قوتي
أعدو
وأعدو
وأعدو
فاكتشف أني أسير نحو الأسفل
كل الطرق بعدك منحدرات زلقة ودائرية تعيدني الى نفس المكان
تعيدني إليك
عندما قرر البطل ان يمحو ذكرى حبيبته هو ايضا طلب منه الطبيب أن يجمع كل ما يخصها في حياته
الملابس
الهدايا
الاشعار التي كتبها لها
الصور
كل ما قد يذكره بها يجمعه في صندوق ويحضره للطبيب
تخيلت نفسي في نفس الموقف فشعرت وكأنني كنت اخشى هذا المصير فخبأتك في كل ثنايا حياتي
وجدتك تختبئين بين اصابعي
خلف اذني
في ذلك الثقب الذي حشاه الطبيب في ضرسي
أسفل ضحكتي
تحت جفوني
في تجويف حرف الحاء من إسمي
وراء شجرة الياسمين في حديقتنا
في حقيبة أمي
خلف برواز صورة أبي
وجدت أن علي أجمع حياتي كلها واضعها في ذلك الصندوق
أو..
أو اطلب من الطبيب أن يقتلني أسهل
ثم فكرت أنني لا أريد أن امحوك من أوراق ذاكرتي
وأنني فقط أريد إجابة لذاك السؤال الثقيل كشعور اليتم
لماذا يا مدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟
فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة؟
هذا طبعًا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها.

المخلص لك دائمًا
وليد

الرسالة الحادية والاربعون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
اوشكت على اليأس من استعادة قدرتي على الكتابة يامدن
شهور طويلة مرت ولا شئ يحدث لي سوى أني ازدحم بالكلمات والاسئلة فأتضخم
حاولت
حاولت مرارا
ولكنني في كل مرة امسك الورقة والقلم
أجد الكمات كلها مكررة ومعادة
ككل تفاصيل الحياة بدونك
نفس الحزن
ونفس الالم
ونفس الغربة والضياع
كل ليلة بعد ان يتوسد الناس أحلامهم التي لا تتحقق
تخرج إلي وحدتي من ذلك الثقب الغائر الذي خلفه غيابك في روحي
تخرج كمصاص دماء هائل يقتات ليلا على أعصابي وشراييني وانفاسي
توصد كل مسام الكتابة لدي فأبتهل إلى الله أن يمن علي بالفرج
أدعوه أن يحلل عقدة لساني
لكنني
أقول في نفسي لا بأس لا تستعجل الحزن
سيفيض في أوانه

بالامس استعرت هاتفا نقالا من ابراهيم واثناء تصفحي للأسماء المسجلة عليه
استوقفتني كلمة ( بابا)
نطقتها ببطء وصوت مسموع كأنني أتذوقها على طرف لساني
اصابتني بغصة مريرة في حلقي
لم يتح لي أسجل اسم "بابا" على هاتفي
لم يحمل أبي في حياته هاتفا نقالا
الحق ان أشياء كثيرة لم يتسن لأبي أن يفعلها
لم يعش في الاسكندرية كما كان يتمنى
ولم يتعلم عزف العود
ولم يتزوج الفتاة التي أحبها
وطوال عشرين سنة عشتها معه لم أضبطه مرة وحيدة متلبسا بفرحة
لم يكن ذلك بسبب ضيق الوقت او ضيق الحال أو اي ضيق
الحزن كالموت لا يحتاج لأسباب مقنعة كي يجثم على الصدور
هو يحدث لأنه يحدث
هكذا بمنتهى البساطة
أتعلمين؟!
من رحمة الله تعالى بالبشر ان هناك غلالة رقيقة تغلف وجه الحياة فتحجب حقيقتها عن الناس وتحفظ لهم قدرتهم على اقتناص بعض لحظات الفرح
لكن البعض تصيبهم لعنة ما تجعلهم يخترقون تلك الغلالة
ينظرون مباشرة الى وجه الحياة الحقيقي القبيح
يبصرون قسوتها وبشاعتها وزيفها
كذلك كان أبي
ذلك العابد الزاهد الاسمر الرقيق
صاحب الابتسامة الحنون الواهنه التي تفضح حزنه أكثر مما تداريه
" ماذا بك"
يسأل إبراهيم ذلك السؤال القصير الماكر
فتقذفني الحروف الست بقسوة الى سراديب الوجع العميقة الملتفة حولي كشرنقة من فولاذ او كزنزانة بقفل صدئ ضاع مفتاحه منذ الف عام ويومان
ماذا بي؟
بي وجع يختبئ خلف كل شهيق
بي وطن لم يعد وطن
بي قهر الذين غرقوا في العبارات وقهر الذين نجوا
بي أنين كل الذين رأيتهم يتألمون ولم أفعل لهم اكثر من مصمصة الشفاه وبضع كلمات وفي بعض الاحيان القليلة دمعتان
بي خذلان كل من وثقنا بهم واودعنا لديهم احلامنا
بي خيبة امل تتمدد في صدري و لا يقوى شئ على نزعها
بي قلق أبدي آت من ماض خاو يتسكع باستهتار عاهرة  نحو مستقبل يعد بالمزيد والمزيد من اللاشئ
بي  دماء تسيل بلاسبب عادل
بي امهات ثكلي واطفال يتامى وآلاف المعتقلين
بي جشع الكل تجاه الكل
بي هذا العالم
بي فقر أمينة المزغودة و بؤس خالتي ثريا
بي غربة عماد وموت أبي ووحدة امي ومرضها
بي غيابك مدن
بي غيابك
.......
ها انا قد كتبت
هاهو الفيضان آت
...............
"لم كل هذا الحزن  رغم  انك تعيش حياة مريحة"
سأل ابراهيم أيضا لكنه كان يسأل عماد هذه المرة
سحب عماد نفسا طويلا من سيجارتة و اخرجه ببطء ثم القى بعقب السيجارة على الارض ودهسها بطرف حذاءه بغل
ثم حكى لنا عن امرأة انجليزية كانت تشتكي لصديقتها من انتشار الخبز البولندي وغياب الخبز الانجليزي في مدينتهم ولما سألتها الصديقة هل هو سئ؟ أجابت السيدة بالنفي وقالت بالعكس مذاقه لذيذ ولكنه ليس خبزنا
رجع عماد بظهره للوراء ونظر للسماء ثم أضاف بانجليزية متقنه ( اتس نوت أورز ذاتس ذا بوينت)
ثم نظر في عيني وقال بنبرة محبطة : ذلك حال المغتربين يعيشون حياة مريحة لكنها ببساطة ليست حياتهم
- ترى ما هي حياتنا يا وليد ؟
اطرقت الى الارض
لفنا صمت ثقيل
  احتضنته
بكينا
لكنني الى الان مازلت أبحث عن إجابة لسؤاله
ترى ماهي حياتنا يا مدن؟
إسمعي
قد أتنازل عن اجابة هذا السؤال
لكن ماذا عن إجابة السؤال الأهم
لماذا يامدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟

فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة؟
هذا طبعًا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها.

المخلص لك دائمًا
وليد

الرسالة الاربعون :وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
لو كنت معي الآن ! كي أتوكأ عليك وأهش بك على ما تبقى من أحلامي قبل أن تتلاشى كليا
انا متعب يامدن
منهك
انهكني اللهاث خلف حب لا وجود له سوى في رسائل بلا صدى
وانهكتني الحياة في عالم لا هم له سوى ان يهدم كل ما نؤمن به
انظر الى عمري بتمعن فأكتشف انه كان عبارة عن مسيرة ممتدة من اللاشئ
كل ما تربينا عليه من قيم  ليست أكثر من مجرد هراء وترهات لا وجود لها سوى في الكتب المدرسية وافواه الاباء والامهات
زملاء العمل يكرهون المدير الجديد لأنه يدقق على الحضور والانصراف في حين أنهم يشعرون بالملل إذا قضوا الساعات الست بأكملها في العمل ولذلك رفعوا شكوى لوكيل الوزارة يطالبون بنقل المدير وزيادة رواتبهم
صديقي الذي كان يغسل يديه قبل الاكل وبعده  أصيب بفشل كلوي  ووالده الذي يدخن ثلاثين سيجارة في اليوم هو الذي يحمله الى المستشفى اسبوعيا
وعم غنام تلقى خبر وفاة  ابنه المجند في سيناء بينما كان عم غنام نفسه يرقص على أنغام تسلم الايادي في المظاهرة التي نظمتها المحافظة للاحتفال بعيد تحرير سيناء وصنافير وتيران فأصيب بلوثة وأخذ يبكي ويولول لكنه لم يتوقف عن الرقص!
أما خالد شقيق ابراهيم صديقي الذي استثنيه من قاعدة ان كل الاثرياء أوغاد بالضرورة فقد حصل على إعفاء من التجنيد الاجباري لأن والده لا يحبه أن يبيت خارج المنزل لكن الضابط الذي حرر شهادة الاعفاء رفض ان يكتب هذا السبب في الشهادة وفضل أن يكتب بدلا منه " غير لائق نفسيا"
هل للمبادئ دور في حياتنا سوى تكبيلنا كقربان يعد للذبح يا مدن؟
الوطنية
الثورة
التضحية
الحرية
العدالة
الخير
كل المبادئ التي نشأنا عليها نراها الآن مصلوبة أمام أعيننا على قارعة الطريق ولا نملك الا أن نحدق فيها مذهولين
ثم نبكي
لكن حتى البكاء لم تعد مآقينا تجود به بسهولة
كيف لإنسان يحمل بداخله أي معنى  أن يتحمل الحياة في هذا العالم العابث السخيف البشع
حيث كل شئ يبدأ لينتهي
يولد ليموت
يأتي ليرحل
أين الحقيقة؟
هل الضحايا الغارقين في دمائهم الذين نشاهدهم كل يوم هم الجناة حقا؟
ما معنى الجملة السابقة؟
هل الحلم  خطيئة؟
ماهو الرابط الخفي بين الواقعية وموت الضمير؟
أتدرين يا مدن !
أخشى ما أخشاه هو الاعتياد
أن تصبح مشاهد القتل والاشلاء والدم والظلم مشاهد معتادة لها وقع محايد على النفس كالاعلانات والنشرات الجوية
برغم كل الالم الذي يقتات على روحي الا انني أخشى أن أعتاد الظلم
ان أصير مثل هؤلاء الزومبي المقززين الذي يبادرون بالتعري ورقص الاستربتيز دفاعا عن الظلمة والمستبدين
ولذلك فإنني أسأل الله سؤالا واحدا كل ليلة
يا الله! متى اغيب عن االوعي؟
صدقيني يامدن حاولت جاهدأ ان اكتب لك شيئا مبهجا بعد كل هذا الغياب
لكن منعتني صور ضحايا حلب الذين لسبب غامض  لم أقو على اعلان تعاطفي معهم
لم أعد أستطيع ان أمارس ذلك التعاطف السلبي المريح  دون أن يصاحبه الكثير من التقزز من نفسي
ومن البشر يامدن
لماذا لم يخلقني الله " كلب" ؟
كلب ينبح فقط على الغرباء ولا يهاجم بني جنسه الا إذا أصاب مخه عطب أو مرض ويكون مصيره وقئذ العلاج أو القتل لا الاحتفاء والتكريم
لابد أن له حكمة في ذلك !
لابد أنه أيضا له حكمة في كل ما يحدث !
لكني لا أدركها
لابد
غير أن ما أدركه تماما أنه لايمكن لإنسان سوي أن يشعر بالسعادة والتفاؤل في وسط كل هذا الكم من الدماء والظلم
و إلى أن يتحقق دعائي وإلى أن تجيبي سؤالي
لماذا أنت لست معي الآن يا مدن؟
سيظل القلب نابضا بحبك
فإلى مرة  قادمة اختلس خلالها من الدنيا بضع دقائق أمارس فيها فعل الحياة الوحيد وأكتب لك رسالتي التالية
هذا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك
وليد

الرسالة التاسعة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
منية القلب وبهجة الروح  ومعنى الحياة
الجميلة البهية النقية مدن
هل تذكرين فيلم  "جيم كاري" الشهير " فن ويز ديك آند جين"  الذي ظننا  انه مأخوذ من فيلم "عصابة حمادة وتوتو"
يومها سألتني باستغراب : يحي الا تلاحظ التشابه الكبير بين هذا الفيلم وبين فيلم عصابة حمادة وتوتو ؟ هل يعقل أن يكون مقتبسا منه؟؟
كم كانت لذيذة هذه الفكرة
فكرة أن يقتبس منا الغرب شيئا ما
حتى ولو كانت فكرة فيلم هزلي
للأسف بالامس أكتشفت أن فيلم جيم كاري هو نسخة حديثة من فيلم أمريكي يحمل نفس الاسم أنتج عام 1977 أي قبل خمسة أعوام من الفيلم المصري
كثيرا ما أسأل نفسي سؤالا
ماذا سيخسر العالم لو اختفت هذه المنطقة ؟
ما سيحدث إذا استيقظ الكوكب في الصباح فوجد نفسه بدون شرق أوسط؟
هل سيفتقد الغرب شيئا غير بعض الاماكن التي تؤمن له التعذيب للخارجين عن قوانينه ؟؟
أخشى ان الاجابة ستكون مزعجة ككل الحقائق .
على ذكر الإزعاج ألم تلاحظي معي انني لم اعد آتي على ذكر حضرة الباشا الضابط سوى في نهاية الرسالة فقط ؟
حسنا
هذه هي سياستي الجديدة إزاء منغصات الحياة من امثال الباشا
أو بالأحرى إزاء الحياة برمتها
الحياة في العموم عبارة عن لغز كلما حاولنا فكه تعقد
الحياة في حد ذاتها (مأزق مرير) ومن حيث كونها كذلك فإن أفضل وسيلة للتعامل معها هو التجاهل
أو كما قال وودي آلان ( التشتيت)
في كتابه حالة الاستثناء يؤكد جورجيو أجامبين ان النظام الحالي يستطيع في لحظة وبمجرد قرار يصدر من السلطة  ان يمحو إنسانية الانسان ويقوم بسحقة بلا رحمة من أجل انقاذ شئ خيالي اسمه الدولة
وفي كتابات زيجمونت باومان يشرح لنا كيف نجحت بيروقراطية الدولة والتكنولوجيا في تحويل الانسان الى وحش عقلاني يضغط على زر بينما يتناول الايس كريم او كوب القهوة فيطلق قنبلة تقتل مئات الأطفال والنساء والعجائز دون أن يثير هذا فيه أدنى ذرة من تأنيب الضمير
يشرحان كل هذا دون أن يوقولا لنا ما هو الحل؟ ما هو البديل ؟
أتدرين لم؟
لأنه ببساطة لايوجد حل
للأسف يامدن الحياة بوصفها "مأساة" لا توجد إجابة متفائلة حول قسوتها في هذا العصر
ومهما تحدث الفلاسفة وعلماء الدين اوالاجتماع أقصى ما يستطيعون فعله هو شرح الطريقة التي تسير بها الحياة
وانه لا أحد يعيش كما يريد
وأن الحياة أقدار
وأن . .
وأن . .
لكن لا أحد يجيبك على السؤال المهم
لماذا؟
لماذا كل هذا الهم ؟ كل هذا الدم ؟ كل هذا الألم؟
كل من يحاول أن يقنعنا أن الحياة تستحق العيش وأن الحياة لها معنى لا يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يخدعنا  ويكذب علينا
لأن الحياة ببساطة ليس لها معنى
كيف أصدق أن الحياة لها معنى وانت لست معي يا سارة ؟
كيف يكون للحياة معنى وكل شئ مصيره إلى الزوال ؟
كيف يكون للحياة معنى والموت يمتلك كل هذه السطوة وذلك الجبروت؟
حينما كنت أقرأ كتاب الخالدون مائة ولما وجدت أن معظم العظماء الذين ذكرهم الكتاب عاشوا حياة بائسة ولم يحظوا بالتكريم والاحتفاء إلا بعد وفاتهم
تساءلت وقتها عن الفرق بين هؤلاء العظماء وبين البؤساء الآخرين ؟ وبم سينفعهم التكريم بعد الموت؟
هل تجدين لهذا الأمر أي معنى؟
صدقيني يا مدن
في حياة تسير بنا بلا هوادة في طريق وحيد نحو المزيد والمزيد من الفقد ليس هناك سوي "التشتيت" و عدم التركيز كأنجع وسيلة لاحتمالها
ولذلك يحب  الانسان الابداع
الابداع يشتتنا
نجيب محفوظ
ديستويفسكي
فان جوخ
هانز زيمر
عاطف الطيب
دانيال دي لويس
كل هؤلاء المبدعين يقومون  بتشتيتنا
هم من يقوم بارسالنا بعيدا
حيث نحصل على هدنة من التفكير بالأشخاص الذين فقدناهم
والفرص التي أضعناها
والآثام التي ارتكبناها
نحصل على استراحة مؤقتة من الواقع المكدس بالخذلان والطمع والظلم
رسائلي  إليك أيضا تقوم بتشتيتي
تجعلني أصدق أننا مازلنا نتواصل
وانك تقرأين ما أكتب
وتكترثين لأمري
وتذكرينني
رسائلي إليك تعينني على الاحتفاظ بذلك الأمل الهزيل بأن أحصل قبل رسالتي القادمة
على إجابة لسؤالي المكرر المرير
لماذا انت لست معي الآن يا مدن؟
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثامنة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساءك سكر
ها أنا أعود من جديد
ربما أتجرأ واقول ان هناك ما يجعل رسائلي إليكي مميزة يا مدن
إنه الصدق
دوما كانت كلماتي إليك صادقة صدق الدم الطازج ينزف من جرح عميق
كتابتها كانت دوما بديلا  وحيدا عن الانهيار
على سيرة الصدق يجب أن أخبرك أن  العبارة السابقة ليست لي ولكنها للأديب الجميل الاستاذ علاء الديب
كتبها في مقدمة سيرته الذاتية التي وضعها في نهاية الكتاب !
تسحرني كتابات علاء الديب يا مدن
كتاباته الصادقة جدا جدا حد الوجع
الابطال الذين يعانون من الحيرة والقلق والمثالية والخذلان
احداث الروايات المفعمة بالمشاعر والحزن الشفيف الوقور والالم
كل هذه الاشياء تأسرني وتسلب لبي
البعض يعيب على الرجل جرعة الحزن والكآبة الزائدة التي تميز كتاباته
لكني اعذره واستغرب كيف يعتبون على رجل يكتب بهذا القدر من الصدق
رجل يكتب بروحه وقلبه وأعصابه وأوردته
أعذره وافهمه
واحبه
أرى فيه وفي أبطاله الذين يودعهم جزء من روحه شبها كبيرا من أبي
الرجل المثقف المثالي اللماح
عينه مدربه على التقاط ادق التفاصيل وادراك التناقضات
يئن تحت وطأة قيمه ومبادئه في مجتمع لا يعترف باي قيم أو مثل عليا
يحمل ضميرا يقظا حساسا جعله يترفع عن خوض المعارك اليومية من اجل أشياء لا معنى لها ولا جدوى منها فيجد نفسه وحيدا وغريبا ليس له مكان في هذا العالم المصاب بالسعار والشراهة والنهم
يدرك أن الدنيا .. دنيا .. فيقرر اعتزالها
تقتله الاسئلة الكبرى التي تزيدها الاجابات تعقيدا
يمارس الكتابة بحثا عن ذاته ومعنى الوجود من حوله فتأتي كتاباته مثله
قلقه .. حيرانه .. حزينة .. لكنه ليس الحزن الزاعق المنفر
بل حزنا رقيقا شفيفا يزيده انسانية وألقا
هذا هو أبي
وهذا هو علاء الديب وأبطال رواياته
المثقف البرجوازي المبتلى بصفات الطبقة المتوسطة
الحالم الرومانسي الذي تحطمت احلامه
لأسباب لا دخل له بها
فلاذ بالحزن والكتابه
ويستكثر عليه البعض أن يبعثر نفسه على الورق ويمارس بعض البوح
عله يجد فيه يوما بعض السلوى والعزاء
مدَن . . لا مزيد من المراوغة
أنا أيضا حزين
والحزن كالحب لا يحتاج لأسباب
أرجوك لا تفعلي مثل أمي وتعددي لي أسباب السعادة والنعم التي حباني الله بها فأنا أحفظها أكثر من أي شخص آخر وأحمد الله عليها كثيرا
لكني رغم كل هذا حزين !
في البدء كان الحزن يا مدن ثم أتت بعده جميع المشاعر
وهو رغم قسوته إلا ان المرء لا يملك سوى أن يحترمه ويوقره
تتلاشى الكلمات من رأسي كـ ( لا أجد تشبيه مناسب)
لا أدري ما هذه اللعنة التي أصابتني
عجز تام عن الكتابة
وكلما فكرت في الامر تعقد أكثر
وكلما أرغمت نفسي على الكتابة تأتي الكلمات
ركيكة
ملفقة
منزوعة المعنى كأنها نقوش وطلاسم
قبل أسبوع كنا في جنازة أحدهم
- يالسخافتي اللواء حامد عبد الرازق الذي كانت تهتز له المحافظة كلها يصبح أحدهم –
هل هي سخافتي أم سخافة الموت ؟
الموت!
لم يعد للموت جلال
أصبح كأعراض البرد والصداع
لم تعد زيارته مفجعة أو مربكة
اصبحنا ننظر له باعتياد بينما نمارس طقوس حياتنا العادية
نتناول العشاء أو نشاهد فيلمنا المفضل
ثم دفعا للملل أثناء انتظار الشاي أو في الفواصل الاعلانية
نتبادل الانباء عن عدد القتلى الذي سقطوا اليوم

أعجز باستمرار عن إدراك الموت بشكل كامل
كلما تفكرت فيه تتشكل صورته في ذهني تدريجيا على هيئة قطع من البازل تتجمع حول بعضها وقبيل اكتمال الصورة تنهار فجأة مخلفة في ذهني صورة ضبابية غير واضحة
أحيانا تقف شدة الوضوح والقرب عائقا أمام جلاء الرؤية
أقول هذا لنفسي وأكف عن التفكير
الاستسلام هو الحل
اللاحل هو الحل
في المقابر أتأمل الحفرة على يساري
قبر جديد فاغر فاه في انتظار وجبته القادمة
يالله
كل هذا الصراع والحروب واللهاث والعدو والاحتقان والتوتر والقلق والمشاحنات والتدافع من اجل هذه الحفرة!
يمنحني التفكير في الموت بعض الرضا!
لكنه لا يمحو الحزن
أحمل حزني على عاتقي وأجوب دروب الحياة راضيا وقانعا ومرددا : أنا إنسان وأعيش في هذا العصر لا حل لذلك
لقد خيرني الله منذ الأزل وقد اخترت وعلي أن أتحمل مسؤلية اختياري
صحيح أنني لا أتذكر هذا الموقف لكن الله يقول أنه حدث وأنا أصدق الله
أتدرين
أنا أرى أن جوهر سردية الايمان أن يتبقى من السردية  جزء غامض وغير منطقي وغير مقنع ومع ذلك يصدقه المرء فقط لأن الله أخبره به
لا حجج ولا أسباب ولا مقدمات منطقية
فقط الله
أنا لم أجد الله بعقلي
بل أجده بداخلي
أجده في عشقي لك
في حسنك الملائكي
في ضحكات الأطفال
في رائحة الارض بعد المطر
في شقشقة الفجر
في تلك النظرة التي أهدتني الوجود ذات حب
أتذكرينها ؟!
أنا أذكرها
أنا لا أنساها
أو بالأحرى لا أستطيع نسيانها
كل همسة
كل التفاته
كل نظرة
كل مادار بيننا يسكن أعماقي ويختبئ في تفاصيل حياتي
هو فقط يتحين اللحظة المناسبة كي يطفو من جديد
رنين الهاتف
أغاني منير
قميصي الكحلي
أذان الفجر
أيا من هذه الاشياء يكفي كي تشتعل اللهفة
كي تنبعث الذكري كعملاق هائل يسد أمامي جميع الدروب ولا يترك لي سوى درب الحنين
أنا لا أقوى على النسيان يا مدن
ولا أريده
أريد فقط إجابة وحيدة على هذا السؤال
لما أنت لست معي الآن؟
فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة السابعة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
في مشهد من أعظم ما رأيت في السينما أشارت جيني الى طفلها الصغير وأخبرت فورست جامب أنه ابنه أيضا !
تراجع فورست خطوتين للوراء وسأل بخوف وقلق : هل هو ذكي؟
وكان يقصد : أتمنى ألا يكون مثلي ! ( أي مجتمع يدفع المرء لهذه الرغبة يامدن )
نظرة فورست ونبرته حين سأل لا يمكن نسيانها
نظرة تعكس كل المعاناة التي عاشها هو والتي يمكن أن يعانيها أي شخص "مختلف" يعيش في هذا المجتمع القاسي الذي لايتورع عن افتراس المختلفين وسحقهم بغية  الحفاظ على غروره وغطرسته الزائفة وانسجامه المزعوم
كانت براءة فورست وقدرته الفذه على المنح والبذل والغفران تعري الآخرين وتفضحهم فلجأوا للسخرية منه ووسمه بالغباء
عندما أجابته جيني بالإيجاب أنه من أذكى التلاميذ في فصله توقفت كثيرا أمام إجابتها
هل كان على فورست أن يفرح ويطمئن بهذه الإجابة أم العكس؟
هل كان عليه أن يفرح لأن الطفل كان ذكيا مثل  زملاء المدرسه الذين كانوا يلقون والده بالحجاره
ومثل الاشخاص الذين حكى لهم حكايته في محطة الاتوبيس فسخروا منه وكذبوه
هل كان فورست غبيا يا مدن؟
ألأنه لايجد ضرورة للكذب؟
وكان يلتزم بوعوده فظل يعطى عائلة صديقه بوبا نصف عائدات شركته ؟
وكان يسامح ويغفر ويقول كل ما يشعر به دون خبث أو مكر  ؟
ولأن النقود لم تستطع  ان تمتلكه  كما فعلت بنا ؟
ألأنه كان مختلفا عنا في كل شئ نعتناه بالغباء؟
أتدرين؟
كلمة السر في شخصية فورست هي ( التفاني)
كان لدي هذا الفورست قدرة هائلة على منح نفسه بالكامل للشئ الذي يحبه
كل خلجه من خلجاته
وكل نفس
وكل نبضة قلب
يمنحها لما يحبه برضا وسرور
أحب كتيبته وزملاءه فأنقذهم جميعا تحت القصف برغم إصابته
أحب تنس الطاولة فمنحه كل وقته لدرجة انه كان يلاعب نفسه حتى أصبح أعظم لاعبيه
وأحب "بوبا" فأنشأ الشركة التي كان يحلم بها بدلا منه
وظل ينزل لعرض البحر كل يوم دون أن يصطاد شئ
حتى كافأته السماء على تفانيه وصارت شركته أكبر شركه في البلاد
وأحب جيني فظل يغفر ثم تخذله
فتعود فيغفر فتخذله
فتعود فيغفر
وكان يستطيع أن يستمرهكذا الى مالا نهاية
وعندما سألته ذات مرة على تلك القدرة العظيمة على الغفران  أجابة بعفوية " أنت فتاتي"
هكذا بمنتهى البساطة ينظر فورست الى  جيني
هو يحبها
هي فتاته
إذن لا أهمية لأي شئ آخر
ترحل أو تعود
تغيب أو تحضر
هي دائما معه
تسكن قلبه وروحه
وسيظل دائما في انتظارها
هذه هي فلسفته في الحياة
يصدق قلبه ويمشى ورائه
حين شعر بحاجته للعدو  بدأ في العدو
وأخذ يعدو
ويعدو
ويعدو
أخذ يعدو ليلا ونهارا بلا إنقطاع
عندما يشعر بالجوع يتوقف ليأكل
وعندما يشعر بحاجته للنوم ينام
وعندما شعر بالتعب توقف
هكذا بمنتهى البساطة
هو لا يعرف الكراهية
ولم يفكر يوما في الانتقام
ولا يفهمه
لا يجيد حسابات المكسب والخسارة
لايطالب الحياة بشئ
وفي المقابل فإنها لا تطالبه بشئ
ولا تلح عليه بالأسئلة
ولذلك عندما كانت تغيب عنه جيني كانت حياته تسير به هادئة  راضية ولم يتوقف يوما ليسأل نفسه ذلك السؤال الذي يحيل حياتي جحيما ولا أجد منه فكاكا ولا مهربا
لماذا يا مدن؟
لماذا أنت لست معي الآن؟
ولأني لست كفورست ولا أستطيع
سأبقى على ذلك الامل الخافت في أن أحصل على إجابتي قبل الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة السادسة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
آه يا مدن كم أنا مثقل بالهم!
لو أن هناك سبيلا لأخبرك كم أورثني غيابك من أسى !
أعلم أن ثمة أشياء لاسبيل للبوح بها ولكني أشعر أن  كل تلك الأشياء اجتمعت  في قلبي وحدي دون الناس
تعلمين يا حبيبتي أن المرء لا يستطيع العيش بين الناس دون حد أدنى من التوقعات
ولعل هذا ما أراد خيري بشارة قوله في فيلم إشارة مرور في مشهد ضرب عماد رشاد على قفاه فجأة وبلا مبرر ولعله أيضا يشرح هذا الكم الكبير من الحزن الذي اعتراه
يتوقع المرء حين يمشي في الشارع ألا يعتدي عليه احد وإن حدث هذا فلابد أن يكون استثناءً ياسارة  وإلا استحالت الحياة بين البشر .
لكن ما العمل إذا كان كل ما يتوقعه المرء لا يحدث
البته
كل ما يراه مهما يراه الناس تافها
وكل ما يراه جميلا يراه الناس بلافائدة
وكل ما يراه ضروريا يراه الناس محض رومانسية ساذجة
أي حياة ترجى في هذا الوضع!
هل يمكن أن تكون الوحدة أكثر من ذلك الشعور بـالـ.. بتر ؟ وكأنك عضو مبتور من جسد
له نفس الصفات الوراثية
وله نفس لون البشرة
بيد أن كل سبيل للوصل بينهما قد قطع
الشرايين
الأوردة
الاعصاب
كل شئ تم تمزيقه بمهارة واقتدار
يقول إبراهيم لعماد وهو يحثه على تجاوز مأساة موت أبيه  : حاول أن تنسى
فيجيبه عماد بحيرة صادقة : وماذا لو أن قلبك يرى كل محاولة للنسيان وكأنها محض خيانة؟
لم أفهم أبدا يامدن أولئك الذين يتحدثون عن النسيان وكأنه أمر خاضع للرغبة أو للإرادة
قد أتفهم أن ينسى المرء ماذا حدث في زيارته لطبيب الأسنان
أو في محل الأحذية
أو عند نبيل الحلاق
لكن ماذا عمن تغلغلوا في جميع تفاصيل الحياة ولحظاتها؟
ماذا عن الذكريات التي حفرت أخاديد وانهار وآبار في أعمق أعماق الروح؟
تلك الذكريات التي يصطلي القلب بلهيبها كلما هبت ريح محملة برائحتها
حين أسمع ذات لوعة أغنيتك المفضلة
حين أهم بارتداء القميص الذي أثار إعجابك ذات بهجة
حين تطل عليَ من المرآة صورتك التي سكنت بؤبؤ عيني منذ الأزل
إننا لا نقوى على النسيان ولا نرغب فيه
إن الاحبة والراحلين قد تركوا لنا في كل تفصيلة من تفاصيل حياتنا جزء منهم
فإن نحن نسيناها ماذا إذن سوف يتبقى لنا
أتعلمين !
لقد خطر لي الآن سؤال مهم
ماذا لو أن الحياة سارت بعكس الإتجاه؟
كما حدث مع بنجامين بتون في رواية  فيتزجيرالد  "ذا كيوريوس كيس اوف بنجامين بتون"
أن نولد كهولا بقامات محنية تحت وطأة الآثام والأحزان واليأس ثم تنفرد هاماتانا ونتخفف من حملنا رويدا رويدا في طريقنا نحو الشباب والطفولة
أن نكتسب البراءة خلال الرحلة بدلا من أن نفقدها
أن تكون الطفولة هي محطة الوصول لا الإنطلاق
حيث الدهشة الطازجة ذات الأسئلة المستأنسة القانعة الراضية بدلا من تلك الاسئلة المتوحشة التي تنهشنا في حياتنا الحالية
أن تبدأ العلاقات بالفقد والحنين ويهون علينا الأمر معرفتنا أننا بعدها سنجد الغائبين ونعثر عليهم
ثم نصل الى المرحلة التي لم نكن نعرف فيها بعضنا فتنمحي الذكري من وجداننا بخفة وهدوء دون أن نتعذب بما يخلفه الفراق في حياتنا الحالية من بقايا حياة الراحلين
ما رأيك يا مدن
ألن تكون تلك الحياة أجمل  أو أقل بؤسا على الاقل
ألا يكفي أنني في مثل تلك الحياة لن أضطر لتكرار ذلك السؤال الموجع الممض
لماذا يامدن؟
لماذا أنت لست معي الآن؟
يبدو انه لا امل في الإجابة حتى هذه اللحظة فإلى اللقاء في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الخامسة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
عندما قرأ عماد مذكراتي ( وهو الوحيد الذي اطلع عليها بالمناسبة إذا تجاهلنا تلصصات امي الصامته عليها)
أعادها لي قائلا باستنكار : هذه ليست مذكراتك ولا قصتك هذه قصة مدن .
رددت عليه مستنكرا استنكاره : أهناك فرق؟
أجابني بضيق : انت تبالغ جدا يا وليد  .. لا أحد يمتزج بأحد الى هذا الحد ..لا أحد يموت لفراق أحد يا وليد  .. انت مجنون حتما
أجبته بهدوء : تقصد لا أحد يدفن لفراق أحد ..
الدفن..
الاعتراف بالموت فقط هو الذي يتاخر  ..
لماذا تصر على الانكار؟
انت نفسك مت بعد رحيل والدك
او على الاقل مات معظمك
نظر الي نظرة ملتاعة مصدومة كأنما نظر فجأة في المرآة فلم يجد إلا نصف جسده!
وابتلعنا صمت طويل ممتد
مأساة عماد يا مدن أن الغربة قد فرمته إلا قليلا
وهذا القليل مازال يقاوم كغريق يصارع امواج عاتيه وكلما هم بالاستسلام
أمد اليه يدا هزيلة لاتقوى على انتشاله
ولا تتركه للغرق
أتدرين ما المشكلة؟
المشكلة أن الذين تحولوا بالكامل كحضرة الباشا الضابط والذين يخوضون معركتهم الاخيرة ومازلوا يقاومون كعماد كلاهما لا يحب الاختلاف
المختلفون يعرون المجتمع
يكشفون زيفه وزيف قوانينه
يفضحون تناسقه المزعوم
يضعهم الاختلاف امام المرآة فيلمحون انعكاس الحقيقة على وجهه
واضحة
صريحة
تخبرهم انه ليس صحيحا أن كل شئ قابل للتسعير كما زعموا
وان المنح بلا مقابل جائز وممكن وانه ازكى للروح واطهر
وأن أشياء كالتضحية والنبل والايثار لا يمكن قياسها حقا لكن هذا لا ينفي كونها حقيقية وموجودة ومهمة لمواصلة الحياة كبشر
وأن تضييع العمر في عمل لا نحبه خطأ فادح حتى ولو كان لأجل المال
وان الحياة ليست سباقا ندهس في سبيله كل شئ  ولا ينبغي أن تكون
الاختلاف مزعج يا مدن لذا فإننا نعمد الى نبذ المختلفين
إما عن طرق نعتهم بالجنون
أو الخيانة
أو الهوس
وإما عن طريق صلب أحلامهم البريئة على جدران المعتقلات كما يفعل حضرة الباشا الضابط
وليس من المهم  أي طريقة سنتبعها لنبذهم
لكن المهم ألا يذكرنا أي أحد أن انسانيتنا تتلاشي

في نقاش قديم مع صديقي ابراهيم الذي استثنيته مؤقتا من قاعدة ان كل الاثرياء أوغاد بالضرورة
حين اعترض على قولي بأن المجتمعات الحديثة لا تقبل الاختلاف لم يفهم ما أعنيه بالاختلاف
انا لم أقصد أن هذه المجتمعات لا تقبل وجود الثوري والاصلاحي و اليميني واليساري جنبا الى جنب
ليس هذا ما عنيته
لكن ما عنيته وقتها ان تلك المجتمعات تمتلك قالبا نموذجيا لكل نمط من انماط الحياة
هناك قالب الثوري
وقالب المناضل
وقالب المفكر
وقالب العاشق
وحتى الفاشل له قالب ينبغي ألا يحيد عنه
وحيث انها مجتمعات استعراضية
يستمد المرء فيها رؤيته لنفسه من آراء الآخرين
لذلك فإنه لا يستطيع التصرف خارج توقعاتهم
كما أنه يخشى تعليقاتهم السلبية عليه
وبالتالي  فهو يخاف أن تظهر غرابته أمامهم
يخاف أن يتم نبذه بقسوة
ويسعى نتيجة هذا الخوف لمحاكاة النموذج المتفق عليه
وفي سبيل هذا السعي فإن الانسان مع الوقت
يتلاشى
تختفي ملامحه
ولا يتبقى منه سوى ما يريده المجتمع  ويوافق عليه
.لا يتبقى منه سوي ما يرفع كفاءته كعنصر من عناصر الانتاج .
سامحيني يا مدن
أعلم انني لا ينبغي لي أن أواصل ازعاجك بمثل هذا الكلام السخيف في كل رسالة
لكن هذا ما يحدث حين احاول الهرب من وطأة ذلك السؤال الممض الذي أطبق فكيه على روحي بلا رحمة
لماذا انت لست معي الآن يامدن؟
وكالعادة سأبقى على ذلك الامل الخافت في أن أحصل على إجابتي قبل الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الرابعة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
يطالبني حضرة الباشا الضابط أن أحب غيرك
(أحب غيرك!)
انها جملة بلامعنى !
أنا لا أحبك يا مدن
نعم  الجملة السابقة صحيحة تماما
أنا لا أحبك
الشعور الذي نشأ بيني وبينك ليس حبا وانما اسميه هكذا مجازا
انه شعور خلق خصيصا لأجلك
ليناسبك
ليتماشى فقط مع منحنيات روحك الشفافة وسحر عينيك وبراءة قلبك
إن حضرة الباشا الضابط لا يفهم أن الحب ليس كالبيت إذا غاب ساكنه يمكنه ان يستقبل ساكنا جديدا
حتى ولو بصعوبة
الحب شيئا آخر
الحب شعور شديد الخصوصية
مضفر بعمق بتفاصيل الحبيب
هنا كان يضحك
وهنا كان يتالم
وهنا كان يصمت
وهنا كان يتكلم
وهنا وهنا وهنا
فإذا غاب الحبيب
لم يعد هناك حبا
لم يعد هناك بيت
الذين يطالبون العاشق ان يحب من جديد ويواصل حياته مع محبوب آخر
والذين يعيبون الحب من طرف واحد
يظنون أن الحب علاقة نفعية
وكأننا بإرادتنا نحب ..

أو نختار من نحب
لايعلمون أن الحب عطاء دائم ومتواصل
رغبة ملحة في الفناء في الحبيب
وبه
ولأجله
لايدركون ان الحب هو أن تتعطل قوانين الطبيعة والمنطق
أن تصبح الاثنين + اثنين .. خمسة أو ثلاثة
فقط لأن ذلك يسعدك
أن تصبح ايام الاسبوع خمسة أو أربعة
أن يأتي الخميس بعد الثلاثاء مباشرة
فقط لأنني لم أراك بينهما (هل يجعل هذا أيامي والعدم سواء؟)
لا يعلمون أنك أن تحب يعني أن شمسك لاتشرق الا إذا أذنت لها ابتسامتها
لا يعلمون أن ابتسامة واحدة قد تعني كل السعادة
وكل الحياة
وكل الامل
وأن تنهيدة حزينة واحدة قد تحيل الهواء الى اشواك
وشظايا بلور
وحبات رمل ساخنة
تلهب الروح والفؤاد
لا يعلمون انك حين تغيبين
أصير معلقا في منطقة رمادية بين الحياة والموت
لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء
الذين يعيبون الحب من طرف واحد لا يعرفون الحب ياسارة
لذا دعك منهم فلا أمل لي في أن يفهموا
لكن ماذا عني ؟.. أليس هناك أي أمل أن أفهم ؟أن أجد إجابة على ذلك السؤال الذي يملأ على نفسي ويمنعني من النظر الى الحياة سوى على انها محض محنة متواصلة؟
لماذا يامدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟
أتمنى إن كان ثمة إجابة لديك أن تخبريني إياها قبل الرسالة القادمة
أرجوك
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثالثة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

الرسالة الثالثة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل
عزيزتي مدن
مساءك سكر
حسنا ياحضرة الباشا الضابط
عليك أن تدرك أن هناك أشياء لا يسعنا فهمها بالعقل وحده
فمثلا حين رفع قلبي رايات الاستسلام امام إغواء سحرها كان علي فقط أن أصدقه لا اكثر ولا أقل
لماذا استمر في إرسال رسائل لا أتلقى ردا عليها ؟
لماذا برأيك؟
ألأمنحك التسلية التي تبحث عنها كي تؤجل اعتقالي ؟
سؤال (لماذا) حين يرد في سياق الحب ياحضرة الباشا الضابط تصبح كل اجاباته كاذبه
في البدء كانت رسائلي اليك يا مدن مجرد تعبير عن الحب
تواصل
فضفضة
محاولة لقضاء اطول فترة ممكنة معك
أما وقد وصلنا لهذا الحد فقد اصبحت كل حياتي
دقها وجلها واولها وآخرها ماعلمت منها وما لم أعلم
وامست الحياة كلها لا تعني ليس أكثر من نوعين من الاشياء
أشياء تستحق ان تحكي لك في رسائلي
وأخرى لا تستحق
كما بدأت أكون أكثر انتباه وأشد ملاحظة كي لا أفوت أي تفصيلة يمكن ان ارسلها لك
واكتشفت جراء ذلك أن كل ما يحتاج المرء أن يتعلمه فإن الحياة ستعلمه إياه
شريطة أن يحسن الاصغاء
لأن من لا يحسن الاصغاء لهمسات الحياة فإنه يدفعها لأن تصرخ في وجهه أو . . تلطمه
صحيح أن الامر لا يكون بالسهولة التي أصورها
وأن عدم الاستماع للهمسات لا ينجم دائما عن سوء الاصغاء بقدر ما يكون
رغبة خفية في عدم التصديق
وأملا ضئيلا في ألا تكون الحياة بهذه القسوة واللامبالاة
لكن ما يحدث في العالم الآن يشي بأن هناك سوء اصغاء وتجاهل عظيم ليس فقط لهمسات الحياة ولكن لصراخها أيضا
أنا لا أحب هذا العصر يا مدن
لا أحتمله
لا احتمل ان يتحول كل شئ الى إما بيع وإما شراء
أن تتحول الدنيا لسوق هائل بشع يبتلع الناس كثقب أسود
في الغرب يقولون أن الطبيب النفسي ان هو الا صديق مدفوع الاجر
لايوجد صديق مدفوع الاجر يا مدن
كما لا يوجد دائرة مربعة ولا مثلث مستطيل لايوجد صديق مدفوع الاجر
جنون
لقد أصيب العالم بالجنون
قبل أمس كنا في ذلك المكان البغيض المسمى ( كارفور)
عماد وجودي وأنا
أثناء خروجنا سمعت جودي تقول لأبيها : انت كل حاجه تقولي عليها لأ
لفت نظري أن كان بيدها حقيبة بها ما لا يقل عن عشر أنواع من الحلوي والبسكويت لكنها كانت مستاءة وفكرت أنه رغم كل ذلك كانت المسكينة على حق
ففي المقابل رفض أباها  شراء عشرات الالعاب والحلوى والشيكولاته
عندما أقارن ابناء هذا الجيل بجيلي أجد أنهم مساكين
حقا مساكين
لقد كنت أحاول أن انفق الجنيه الذي أحصل عليه من أبي لدى عم جلال ولا أستطيع أن انفقه كاملا أبدا  إذ كان أقصى ما يحتويه دكانه نوعان  من البسكويت والبونبون ولم يكن لديه شيكولاته ولا عصائر من الاصل
ورغم ذلك كنت اخرج من عنده وكلي بهجة وفرح وقد اشتريت كل ما طالته يدي
أما جودي المسكينة فكيف تشعر بالرضا وقد تركت واراءها المئات والمئات من الحلوى والالعاب
وحتى لو جن ابوها واشترى لها كل ما ترغب فيه متى ستجد الوقت لتذوقه؟
وأي معدة وأي أسنان ستتحمل هذا الكم؟
وعندما تنتهي من تذوقها كلها هل ستتذكر مذاق كل منها وتستطيع أن تحدد أيها أعجبها أكثر أم أنها ستكون في حاجه للتجربه مرة ثانية وثالثة وألف في دائرة ملعونة لا فكاك منها ؟
هل أسدت لنا الحداثة معروفا يامدن عندما أطلقت علينا هذا الشلال الهادر من الاختراعات والاكتشافات  أم أنها ألقتنا في غيابة جب عميق من المفاضلات والخيارات والمساومات والقلق والحيرة والتردد والنهم حيث يظل المرء حبيس رغبة محمومة في الوصول للأفضل الذي لا يأتي أبدا لأنه ببساطة لم يجرب كل شئ
يقول لنا الاقتصاديون أن الاختراعات تتزايد لأن الحاجات الانسانية من طبيعتها أن تتكاثر وتتزايد وتتطور باستمرار لكنهم لم يقولوا لنا لم علينا علينا أن نستجيب لهذا التزايد بدلا من أن نكبح جماحه ؟
لماذا لانصدق أنه لا سبيل أمامنا للسيطرة على الطبيعة وانها تجرنا خلفها بقضيب من الصلب وأن الفجوة بيننا غير قابلة للرتق واننا لا نجني من الاسراع إلا اللهاث وتعجيل النهاية؟
ولماذا لا ينقل حضرة الباشا الضابط بعض اسئلته من الحب الى الاشياء الأخرى؟
لماذا لم يسأل نفسه مثلا : لم علي أن أمتلك سيارة تتسارع من الصفر الى المائة فقط في تسع ثوان ؟
ألهذا علاقة بشعور مضمر أننا نعيش في سباق ما ؟ حيث يلهث المرء وتنقطع أنفاسه فقط من أجل أن يظل في مكانه ولا يتقهقر.
أعلم يا حضرة الباشا الضابط  أنك تقول الان متسائلا : كل هذا من اجل حديث طفلة لأبيها؟
لا عليك يا مدن فكما تعلمين أنا لا أمل عندي في أن يفهم والمهم أنك تفهمين
أما ان كان لديك أنت يا حبيبتي أية أسئلة فسأجيبك عنها ما استطعت الى ذلك سبيلا
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثانية والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
قديما كنت اكتب ( مساءك سكر) فيتدفق سيل الكلام من قلبي الى يدي وسرعان ما تمتلئ الرسالة وتفيض ولا يوقفني غير خوفي من أن أطيل عليكي فتملي
لكن هذا لم يعد يحدث مؤخرا
اصبحت اكتبها ثم اضع يدي على خدي مستجديا الكلمات بصعوبة
هل أسرفت في الرسائل السابقة؟ أم أن مشاعري أخذت تتضخم وتتزاحم في قلبي حتى أصبحت عصية على التعبير؟
ذات ونس قال لي عماد إن أسوأ مراحل الحب حين يصبح الحبيب هو كل حياتك
ثم أضاف بحكمة مصطنعة : لا يجب أن يكون أي شخص هو كل حياتك
كان يتحدث عن الحبيب على انه (أي شخص) على أنه (آخر)
بينما انت لم تكوني أبدا  (آخر) يامدن
فمنذ سكنت الروح وعمرتيها وقد صرت (أنا)
جزء لا يتجزأ مني
حينما ننتزع ذرة الهيدروجين  من الماء  فان ذرة الاكسجين المتبقية لا تستمر كـ(ماء) و لا حتى تسمى ماء بلاهيدروجين بل تصبح (اكسجين) فقط ( اكسجين)
هذا ما يحدث لي بدونك
بدونك أمسي شخصا آخر غيري
لماذا أنت لست معي الآن يامدن؟
لماذا تمنعينني أن أكون (أنا)؟
عندما سأل تشارلي شابلن والدته عن رأيها فيما وصل اليه بعد أن أصبح ملء السمع والبصر قالت له بتلقائية عجيبة : حاول أن تكون نفسك !
لوهلة لم أفهم الرابط بين اجابتها وسؤاله لكن بقليل من التأمل أيقنت حقا ان هذا هو المعيار الأول للنجاح
أن تكون نفسك هو الامر الوحيد الجدير بالمحاربة والتضحية من اجل تحقيقه
لم تعش السيدة هانا شابلن لترى يعينها أشخاص يدفعون مئات الالوف من الدولارات فقط كي لا يكونوا أنفسهم
لم تعش لترى مايكل جاكسون وحزبه
أتدرين يامدن
أنا أعذر الممثلات والمذيعات اللاتي يجرين عمليات التجميل في محاولة يائسة للحفاظ على مظرهم الخارجي فهن لا يمتلكن غيره
بيد أن شعورا غريبا يتملكني حينما أنظراليهن وأتساءل في حيرة كيف برغم هذه الملامح ذات القياسات الدقيقة والمدروسة بعناية لا تبدو هذه السيدة جميلة ؟ ولماذا تبدو مصنعة هكذا كتمثال الشمع وكأن الطبيب الذي زرع فيها السيليكون قد استل في ذات الوقت روحها؟
هل أحب أحدهم تمثال شمع من قبل؟ أو حتى حلم  بأن يحتسي معه الشاي بينما يحكي له عن أحلامه التي لا تتحقق أبدا مهما أراد ذلك ؟
في سيرتة الذاتية تحدث شارلي شابلن بكل اريحية وحياد بل وبشئ من الفخر احيانا عن فقره الشديد الذي وصل الى حد اضطراره لدخول الملجأ هو واخيه  في بداية حياته
وكان هذا اكثر ما أدهش اصدقائي الذين قرأوا سيرته
بينما أنا كان موقفي واضحا
قلت لعماد بحسم : يمكن للمرء بسهولة أن يتحدث بمنتهى الحياد عن الفقر والمرض والألم بشكل عام مادام قد تجاوزه
أما ما يثير الدهشة حقا يا مدن فهو قدرة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والالم في الحديث عن فقرهم بحياد وتسامح
ما يثير الدهشة حقا هي الطريقة البسيطة المتصالحة التي كانت خالتي ثريا تحكي لي بها حكايتها هذا المساء
بعد مشاجرة معتادة مع امي  لمحتها تجلس على الدرج المؤدي للحديقة الخلفية
حزينة وصامته
أعددت كوبين من الشاي وذهبت للجلوس بجوارها
فوجئت بيدي الممدودة بالشاي فتناولته بابتسامه تحمل كل امتنان الدنيا
رشفت رشفتين ثم قالت : انت عارف ان احلى حاجه حداكو اني بشرب شاي كتير كل يوم اصلي بحب الشاي قوي بس الايام الاخيرة بتاعة عمك سليمان كت بفكر الف مرة قبل ما اشرب كوباية شاي عشان اوفره للضيوف
كانت تحكي ببساطة ألجمتني وجعلتني عاجزا عن الرد
ثم نظرت في عيني نظرة معاتبة أوجعتني وقالت بلهجة رقيقة : انا سمعتك وانت بتقول لعمتي الحاجة مشيها وزعلانة منك يا سيلافندي
افهمتها انني كنت احاول فقط ان اجعل امي تكف عن الشكوى لأني أعلم انها لن تستغني عنها لكنني لم أقصد ما فهمته ابدا
صدقتني
ولأن قلبها كبير كما أخبرتك  سامحتني على الفور وبان هذا في عينيها
حكت لي عن زواجها من عم سليمان بعد طلاقها من زوجها الاول الذي طلقها دون سبب واضح رغم انها كانت تتحمل ضربه لها واهاناته المتكررة
في بداية الامر رفضت بسبب فقر عم سليمان الذي كان يعمل صيادا بسيطا وشجعتها امها لكن والدها أصر على تزويجها
قالت انها ذات ليلة سمعت ابوها يقنع أمها بتلك الزيجة قائلا : البضاعة ما تجبش اكتر من كده
وانها حين دخلت غرفتها ونظرت في المرآة وجدت أنه لم يكذب  ثم فكرت أنه برغم أن الحقيقة دائما تكون قاسية الا ان هذا لا يغير من كونها حقيقة
ووافقت
مدن!
هل الحكمة وليدة الالم  وليس الذكاء او التعليم ؟ لا أدري
بعد زواجها بعامين توفي والداها في حادث ثم سافر اخيها الى أفغانستان وانقطعت اخباره ولم يتبقى لها من الدنيا سوي سليمان
لم ينجبا
ليس لديهما مانع صحي لكنهما ببساطة لم يتمكنا من الانجاب
وكان عم سليمان مريضا بالكبد واشتد عليه المرض في عامه الاخير فلم يعد يقدر على العمل
قدم طلبا للمعاش بسبب المرض لكن الحكومة اعتبرت ان تليف الكبد ليس اعاقة تستوجب صرف المعاش
ومن بعدها كان سليمان يدعو على نفسه بالعمى او العرج أو أي إعاقة من الاعاقات التي تراها الحكومة مستحقة للمعاش
لكن الله كان رحيما به ولم تطل رقدته
اخبرهم الطبيب بضرورة اجراء عملية جراحية
تقدموا بالاوراق لاجراء العملية على نفقة الدولة فأخبرهم الموظف ببرود آلي أن عليهم الانتظار  لستة أشهر قادمة أو محاولة ايجاد واسطة تقرب الموعد
ولما لم يجدوا الواسطة  وافقوا على الانتظار
لكن الموت لم يوافق
مات سليمان الصياد وتركها وحيدة
بلا أهل وبلا زوج وبلا أبناء وبلا وطن
هذه المرأة التي مازالت قادرة على التسامح والرضا هي التي تستحق الانبهار يا مدن
هذه المرأة وليس شابلن
أعلم أني أثقلت عليكي كالعادة ولا أعلم ان كنت سأنجح في تخفيف وطأة الحزن في رسائلي أم لا
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الحادية والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
مدن!
هل يمكن اعتبار الوقت الذي لا أقضيه معك . . حياة؟ ذلك التوقيت حيث ينقضي الليل ولا يأت الصباح .. ذلك اللاشئ .. هل يمكن اعتباره حياة ؟
أظنك قد سمعت عن ثعبان الهيدرا الاسطوري المذكور في الميثولوجيا اليونانية ذلك  الكائن الخارق الذي يعيش في المستنقعات ولايمكن قتله ولا القضاء عليه لانه يعالج نفسه ويجدد خلاياه وكلما قطعت له رأسا نبت له رأسان ؟
هل لهذا علاقة بتلك الاسئلة التي تتكدس في رأسي ولاتزيدها الاجابات الا تعقيدا؟
صحيح أني أشعر بالاشمئزاز من تصوير رأسي كمستنقع! لكن هل يوجد تشبيه آخر أكثر وضوحا وأقل فظاعة ؟
أحيانا كثيرة عندما تنفرد بي الاسئلة وتحاصرني كفأر في مصيدة   أشعر وكأنني احتجز ملايين النحلات التي لا تكف عن الطنين بداخل رأسي
مئات الكرات الصغيرة الملونة  التي لا تتوقف عن الدوران والاصطدام والطرق على جدران جمجمتي الداخلية
آلاف الاصداء التي  تتردد بلا انقطاع محدثة دويا قاتلا  في رأسي
وحين أشعر أنني مقبل على انهيار محقق
تنبثقين أنت من أعماقي كحورية من حوريات الجنة
فينسدل على كل ما عداك حجاب كثيف  وتخفت جميع الاصوات سوى دقات قلبي الملهوف وسوى سؤال وحيد ممض
مدن!
لماذا أنت لست معي الآن؟
آآه
هذا الصباح كانت المذيعة التافهة تسأل المتصلين بالبرنامج التافه الذي اواظب على سماعه عن الموهبة التي يتمنون ان يمنحهم الله اياها
اجاباتهم جميعا كانت متشابهه كانت تدور حول الغناء والتمثيل والرسم بينما خطر لي اجابة وحيدة تلح على منذ زمن
اللامبالاة !
تلك الفضيلة التي لا يمكن للانسان ان يواصل حياته في هذا الزمن البائس دونها
لا بأس أعلم أني تأخرت كثيرا عليك فيما يخص حكاية خالتي ثريا لذا فلا مزيد من التلكؤ والمماطلة
خالتي ثريا هي التي تساعد أمي في أعمال البيت بعدما أصبحت أمينة المزغودة موظفة محترمة في مصنع والد ابراهيم
بشرتها بنية داكنه و لها عينين ضيقتين وأنف عريض وبارز يحتل مركز وجهها المستطيل
تربط ايشاربها الاسود أسفل ذقنها كأنها تخشى أن يتدلى فكها السفلى
طويلة
طويلة جدا ولها أكتاف عريضة
كما أن لها قدم ضخم لدرجة انها لا تجد مقاسها الا في الاحذية الرجالية
جسدها الضخم كمصارع يبعث الرهبة للوهلة الاولى
لكنك سرعان ما تكتشفي أنها شديدة الطيبة والبراءة و..
والغباء
ولأن القلوب الكبيرة تقاس بمدى القدرة على التسامح وليس بمدى القدرة على العطاء فيمكنك القول أن لخالتي ثريا قلب كبير جدا
رغم أنها قاربت الخمسين الا انها تغطي وجهها بطرف الايشارب خجلا كلما مررت من أمامها
تناديني خالتي ثريا بلقب ظريف
(سي الافندي)
وتنطقها هكذا : سيلافندي
وتنادي أمي بـ : عمة الحجة
أو : عمة
قريبا ستصيب ثريا عمتها الحجة بالضغط او السكر بسبب غباءها
غباء منقطع النظير يا مدن من النوع الذي تشاهديه في الافلام الهزلية فتظنين ان المخرج يبالغ كثيرا
قبل اسبوعين كانت اسرة عمي مدعوة عندنا على الغداء وأمي كعادة العائلات المصرية تكون حريصة جدا على المبالغة في التأنق أمام زوجة عمي
بعد وصول الضيوف ارسلت خالتي ثريا لشراء كيس شيبسى عائلي بطعم الشطة لتزيين الطعام
المسافة بين منزلنا ومحل عم جلال لا تتعدى العشر دقائق
مرت نصف ساعة ولم تأت خالتي ثريا فاضطرت امي لتقديم الطعام بدون الشيبسي وهي في منتهى الغيظ
بعد نصف ساعة اخرى دخلت خالتي ثريا بابتسامة ظافرة ولحقتها امي على المطبخ
أخبرت عمي أنني سأعد له فنجانا من القهوة وأسرعت الى المطبخ لمنع المشاجرة الوشيكة
دخلت فسمعت امي تهتف بغيظ مكتوم : كنت فين يا عملي الردي
اجابت خالتي ثريا غير مستوعبة سبب غضب عمتها الحجة رغم انها احضرت الشيبسي العائلي بالشطة : مفيش حدا عم جلال ولا حدا هناء غير شيبسي بالكباب وبالطماطم فروحت جبتلك من عزبة الخيالة
- يعني اقول عليكي ايه ..كنتي هاتي أي حاجه ان شالله بالزفت المغلي.. انت يا ولية مش شايفة الاكل اتغرف والناس وصلوا
- مش انت اللي قلتي شيبسي بالشطة
- يتقطع لساني يا شيخة .. يتقطع لساني
أشرت لأمي أن كفى فاستجابت بصعوبة وخرجت بغيظها تاركة خالتي ثريا خلفها غير مستوعبة الى الان مكمن الخطأ
بعد هذا الحادث بيومين تقريبا  اكتشفت ان كل بنطلوناتي بلا استثناء متسخة
سألت خالتي ثريا : انتوا مش كنتوا بتغسلوا امبارح؟؟ امال بنطلوناتي وسخة ليه؟؟
فأجابت ببراءة : عمتي الحاجه قالت مش تغسليهم
نظرت الى أمي مستفسرا فقالت : والله يا بني انا قلت لها ما تغسليهمش في الغسالة عشان تغسلهم على ايديها بدل ما الغسالة تبوظهم
تركتهن يتبادلن التهم  وارتديت بدلتي اليتيمه وذهبت بها للعمل
في المساء كانت أمي تلعن وتسب في سرها بسبب مشكلة جديدة تسببت فيها خالتي ثريا
حاولت تهدئتها وقلت لها بحسم : ما تمشيها يمه دي هتمرضك
تبدلت سحنت أمي وردت معاتبة : غلبانه يا وليد وملهاش حد
قلت : طيب كل اما تغلط زعقيلها جامد  خليها تزعل عشان ما تكررهاش
فردت بعفوية : يابني هو بمزاجها دي هي خلقتها كده وبعدين بصراحة بخاف منها اول ما الاقي عنيها ابيضت وبرقت واحس انها هتزعل باسكت  دي لو رزعتني قلم بايدها اللي زي خف الجمل دي هتموتني
نظرت الى خالتي ثريا التي كانت تقوم بتنفيض السجاد على سور البلكونه ممسكة بطرف السجادة بيد والمنفضة باليد الاخرى فاقتنعت بكلام أمي وانهيت الحديث معها بأن قلت باسما : خلاص ادعي عليها
أخ
اعذريني يا مدن
يبدو ان هذه الرسالة طالت أكثر من اللازم سأخبرك بالطبع لماذا تشعر خالتي ثريا أنها بلاوطن
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أتذكرين
حين أخبرتك أني أحبك لأنك الوحيدة التي تستطيع التواجد بمكانين في نفس اللحظة
أحدهما قلبي
والآخر لا يعنيني
.
.
كنت ساذج
غبي
أو كنت أكذب
كلا
بل يعنيني طبعا
هل افتقد من الدنيا شيئا
سوى ضحتك وعينيك
عيناك التان تختصران ما في الكون من جمال
وضحتك التي تصيب قوانين الطبيعة بالجنون
تضحكي
فتنبت الازهار في احضان الجبال الصخرية
وتبكي الاسود ذعرا اذا ما لمحت غزالة برية
وتمطر السماء فراشات ذهبية
وضحكات أطفال
وقبعات ملونة
وقلوب بيضاء
وحبات كرز من النوع الذي تفضلين
آه يا سارة
لماذا انت لست معي الآن؟
أتعملين
هذا المساء مر علي عماد
لا تعجبني أحواله في الفترة الاخيرة
أصبح سريع الغضب
كثير الصمت والشرود
ما أن دخلنا غرفتي حتى أبدى ضيقه وشعوره بالاختناق وطلب باستجداء ان نخرج الى الحديقة
على السلم أخذ يداعب زهرات الجاردينيا المستكينة في اصصها على جانبي الدرجات
وفور وطأه الارض دس وجهه في أحضان شجرة الياسمين على يمين المدخل
أغمض عينيه واخذ يملا رئتيه بعبيرها الآسر
وقفت بجانبه عاقدا ساعدي على صدري وأخذت اراقبه مبتسما وهو يعيد شحن بطارياته الحيوية كما يقول دوما
اتجه بعدها ناحية ملكة الليل المزروعة بمحاذة السور واخذ يجدف بيديه في الهواء من أسفل الى اعلى كأنما يرفع شذاها الى مستوى أنفه
التفت ناحيتي وابتسم ابتسامه واهنه ثم تأبط ذراعي وسحبني تجاه النخلة الواقفة بتعالي في يسار الحديقة
نخلتنا غريبة ونادرة تثمر بلحا لم أرى مثله  طويل و له شكل البلح الزغلول ولكن لونه أصفر زاهي كأصابع الموز الناضجة كما ان مذاقه كالشهد
في طفولتنا كنا نتبارى في رشق الشماريخ العالية بالحجارة وكان عماد أمهرنا إذ كان حجره يسقط العدد الاكبر من البلح
انحنى عماد والتقط حجرا صغيرا في حجم حبة المشمش وقذفه بقوة لأعلى لكن رميته طاشت
حاول مرة أخرى
وأخرى
وأخرى
بدأ يلقي الحجارة بسرعة وغضب
لوهلة شعرت أنه لا يقصد النخلة فقط بحجارته تلك
بعد عشرات المحاولات الطائشة
استسلم
اسند ظهره الى شجرة التوت القريبة من النخلة وجلس يعبث بالحصى المنتشر على الارض وهو يلهث
كنت واقفا امامه اتطلع فيه باشفاق وأردت أن أقطع الصمت فقلت بحياد : ماعادتش بتطرح
ثم أشرت بكفي الايمن الى أغصان شجرة التوت فوقه
أجاب بلامبالاة : ما قطعتهاش ليه
صدمت من اجابته ولم أرد
بعد فترة من الصمت الثقيل رفع ناحيتي عينين ذابلتين  و بدأ يحكي
حكي ان ابنته جودي عندما كانت في الخامسة من عمرها كان تفتقده وتريده ان يمنحها المزيد من الوقت
كان يعمل لمدة تزيد عن الخمسة عشر ساعة وحين يعود للبيت لا يكون صالحا للاستهلاك الادمي
وأقنعتها أمها أنه لابد أن يعمل ليشتري لها كل ما تشتهي
بدأت البنت تردد  الجملة كثيرا لكل من تقابله
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "

بعد عدة سنوات
عاد
زارته اخته وأثناء فرجتها على المنزل قالت بعفوية : ماشاء الله انتوا عندكوا كل حاجه ممكن الواحد يحلم بيها في بيته
كانت سعيدة وفخورة بأخيها لكن الجملة هزته
وفجأة لمع المعنى الخفي  لجملة جودي
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "
ولاحقته الاسئلة ككلاب مسعورة
من يعمل عند من؟
من يملك من؟
هل أمتلك مقتنياتي أم هي التي تمتلكني؟
أي جنون جعلني أتحول من أب وزوج الى بنك؟ من إنسان الى ماكينة صراف؟
أي شيطان أقنعني أن احول أجمل سنوات عمري الى حفنة من الاجهزة والمفروشات؟
فجأة
انتفض واقفا وأخذ يعدو في أنحاء الحديقة كالمجنون  متخيلا أنها منزله
توقف في أقصى اليمين  وقال كأنه يفرجني على المنزل:
هنا الصالة  آ آسف الريسبشن حتى لاتغضب ناهد
هذا تلفزيون خمسين بوصة ثلاثي الابعاد ذكي يتصل بالانترنت ويشغل ألعاب الفيديو ويعمل عجين الفلاحة
أما هذا فريسيفر اتش دي له كامتين  لا شتراك الاو اس ان والجزيرة
وهذه السماعات هي سماعات المسرح المنزلي الدولبي ديجيتال
مكيف هواء سبليت أمريكي  
ستائر سيدار بريموت كنترول حتى لا ترهق اصابعنا في فتحها وغلقها
انتريه مودرن أميريكان
سجاد بوبرة عالية
بورسلين
البورسلين للصـ .. للريسبشن فقط اما بقية المنزل فتنازلنا وجعلناه سيراميك عادي
الصالة وحدها تكلفت ربما عامين أو ثلاثة
اللعنة
الريسيبشن . . الريسيبشن
كان يتحدث بانفعال وبسرعة شديدة كأنه مبرمج آليا
أشار الى وهو يتحرك ناحية اليسار قائلا : تعال تعال لاريك المطبخ
المطبخ كما ترى أميريكان  أيضا  أخو الانتريه ( يضحك)
لابد أن يكون اميريكان حتى يرى الزوار الاجهزة التي بداخله
الميكروويف والكتشين ماشين والعجانة وغسالة الاطباق  تكلفت سنه
لا بل ستة أشهر فقط لا يجب أن أبخس عمري هكذا
هذا بوتاجاز ايطالي خمس شعلات ثمنه شهر واحد شامل الجمارك والشحن , ليس غالي الثمن خاصة أن فرنه يستوعب خروفا كاملا
ثم همس وهو يهز رأسه : مع اننا لا نحب الضأن
هذه ثلاجة سبعمائة وخمسون ألف قدم تحفظ الطعام لمدة ألف سنة مما تعدون ولها بابين
لو كنت وجدت واحدة بثلاثة أو أربعة أبواب لما ترددت في شراءها فأنا كما تعلم ثري
واعمل في الخليج
ولدي الكثير من السنوات القابلة للتحويل الى ريالات
وأجهزة
وهواتف
وسيارات
كان يرتجف أثناء الحديث من فرط الانفعال والعصبية
أقتربت منه
حاولت تهدئته
أمسكت يده ودعوته للجلوس فجذبني من يدي بقوة وقال : تعال لم انته بعد مازال لدي الكثير بالداخل
الحمام
غرف النوم
مازال البيت ملئ بالاجهزة
بالايام
بالسنوات التي تحولت لرمل واسمنت وحديد
تعال لابد أن تشاهد
لابد أن تنبهر
ما فائدة الاجهزة اذا لم تجعلك تنبهر
لكن مهلا
لقد خدعني مهندس الديكور الذي تقاضي وحده عاما ونصف العام من عمري
صحيح أنه استغل المساحات باقتدار
وكدس البيت بالاجهزة والاثاث لكنه نسى أن يترك مساحة للونس
للدفئ
لراحة البال
للطمأنية
للسكينة
للبراءة
سأتصل به
(واخرج الهاتف من جيبه)
سأغريه
سأعطيه ستة أشهر أخرى
مؤكد سيجد حلا
ربما يستطيع ان يجد لهم مكانا في السقف المعلق
أو في غرفة المعيشة
أو في السفرة بدلا من النيش مثلا ولتذهب ناهد الى الجحيم
وإذا لم يستطع؟!
بهتته الفكرة فصمت لوهلة كأنه يفكر في حل ثم أكمل بصوت متهدج ونبرة مستعطفة باكية
إذا لم يستطع فعليه على الاقل أن يصنع لنا جهازا جديدا
جهازا يزيل السأم الذي يستتر خلف الستائر الاتوماتيكية وتحت السجاد ذو الوبرة العالية
يزيل الخواء الذي يعشش في الميكروويف وغسالة الاطباق والمسرح المنزلي
يزيل الارق الذي يكسو كل الوسائد ويختبئ تحت كل الاغطية

لابد أن يجد حلا
لابد
لابد
أمسكته من كتفيه وهززته بعنف صارخا  : كفاية يا عماد كفاية
سكت !
نظر في عيني كأنه فوجئ بوجودي
كأنه كان في غيبوبة وأفاق فوجدني أمامه
تلفت حوله كأنه يتأكد أين هو
ثم ألقى رأسه في صدري
وبكى
بكى كثيرا
وهذى أكثر
قال أشياء كثيرة عن روحه المهترئة
عن هشاشته وشهوره بالانهاك والضياع
عن الغربة المزمنة التي تجتاحه طول الوقت
عن الوطن الذي فشل حتى في التظاهر بأنه وطن
وعن الفقد
ثم أخبرني أنه سيسافر بعد أسبوعين
ذكرني بعبارة بهاء طاهر في قصته البديعة " لم أعرف أن الطواويس تطير" حين قال البطل لصديقته : بعد الغياب الطويل في الغربة لايعود للإنسان في الحقيقة أي وطن
وأخبرني انه حاول كثيرا أن يتجنب هذا المصير
لكنه ببساطة
فشل
سألته باشفاق : هل ستتغرب مرة أخرى؟
فأجاب بأسى : مرة أخرى؟؟ الغربة فعل إذا بدأ لا ينتهى يا يحي
  كان يمشي في اتجاه الشارع
وعند باب الحديقة توقف لثواني ثم ادار وجهة ناحيتي وقال باستسلام : أشعر أني مجوف
قالها ثم خرج واختفى عن نظري
كنت منهكا فلم أستطع ايقافه
هذا ما يحدث يا مدن
هذا ما يحدث عندما يبيع الانسان مالا يجب بيعه
عندما يستبدل الذي هو أحقر بالذي هو أعز
لمت نفسي كثيرا بعدها
لأنني لم أتكلم
لم أواسيه
لم أخبره أنني أيضا مثله ضائع
لأنك لست معي
لم أخبره أني بدونك
أشعر أني مجوف
خاو كجذع نخلة منقعر
أن بعدك يقتلني ببطء
يمتص من روحي الحياة كقبلة مومياء فرعونية
وأنني كلما انسل مني الوقت دون وصلك أشعر كأني
أنزوي
أذبل
كأن الحياة تتسرب من ثقب خفي في قلبي
كنت أود أن أخبره أنني أيضا أشعر بالغربة واغتراب الروح
وأن الغربة ليست فقط غربة الوطن والسفر
لكن الغربة ألا يكون لك (هنا)
أن تغادري الحيز الوحيد الذي كان جدير بأن يكون (هنا)
ليغدو كل شئ في عينيك بعدها ( هناك(
أن تنتفي الـ (هنا) من قاموسك ويقتصر استخدامها على الاشارة إما للماضي المفتقد وإما للبعيد المشتهى مسبوقة بذلك الفعل الممض المقبض .. ( كان)
وانت كنت (هنا) الخاصة بي ياسارة
لكنك تتحولين تدريجيا الى ( هناك)
بمضي الوقت تتغلغل ( كان) في كل حديثي وحكاياتي عنك
كنت أقابلك
كنت أهاتفك
كنت ألمس يدك
كنت ...
كنت ...
يسلمني بعدك لكلاب الفقد تعوي في صدري
تنهشني

أعلم أنك تنتظرين حكاية خالتي ثريا أعلم
بالمناسبة
خالتي ثريا أيضا تشعر أنها بلاوطن
رغم أنها لم تغادر قريتنا الا مرات معدودة
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة التاسعة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساؤك سكر
منذ عشرة ايام ونيف
احاول ان أصفك
بلا جدوی
لا اعلم معنی كلمة (نيف)
لكن في حضرتك لا معنی لأي معنی قديم

قبلك

هل يوجد شئ قبلك؟؟
وجودك يا مدن يمنح للاشياء معان جديدة
يحطم القوانين القديمة والقواعد الماضية
حين قال افلاطون ان القيم الكلية كالجمال والخيرموجودة ومجسدة في مكان ما من العالم
سخروا منه
معذورون . . لم يروك
ماذا اكتب عنك
أأقول جميلة كـ ... كماذا؟
كيف وانا قد قررت منذ رأيتك
انني حين اقابل سكان المريخ او الزهرة
وسأفعل
فسأخبرهم عن معنی (الفتنه) بأن اشير الی عينيك
وان سألوا عن معنی (شهيه) فسأشير الی شفتيك
أما ان سألوا عن معنی (البهجة) فسأطلب منك ببساطة
ان تبتسمي
وإذا سألوني عن معنی (الندم) فسأحملهم الی كل مكان لم تطأه قدمك
ولو سألوا عن معنی (العدم) فسأشير لكل الاشياء
سواك
من أين لي بوصف يليق بك إذا كان كل البشر من الطين قد خلقوا وانت وحدك من ثنايا الدهشة خلقت
سارة منذ ثلاثة أيام سرحت بخيالي وغمرني تأمل الحياة حتى كدت اجن
ما هذا الذين يحدث لنا في هذا الزمن؟
ماهذا السباق الانتحاري الذي نعيش فيه؟
ما هذا الشعور المزعج الذي يلازمنا؟
شعور ممض ومقلق بعدم كفاية الوقت
هناك دوما شيئا ما يضغط علينا للاسراع
وللتعجل قبل ان يداهمنا الوقت
في كل شئ نفعله
حالة دائمة من اللهاث
في العمل نلهث كي ننتهي من كل الاعمال الموكلة الينا في موعدها
وفي الليل نلهث لاداء كل الاشياء التي نرغب في اداءها خلال الساعتين اللتين نقضيهما في المنزل قبل النوم
مشاهدة اخر الاخبار في التلفزيون
ومتابعة الفيس بوك
والقراءة
والكتابة
ومقابلة الاصحاب
والتسوق أو .. أو .. الخ
وكأن شيطانا مخيفا يطاردنا ويجبرنا على العدو امامه في كل الاتجاهات
دوامة هائلة من الخيارات
والمفاضلات
والقرارات التي يجب اتخاذها في كل لحظة
دوامة هائلة تسحبنا داخلها
حالة جنونية مفزعة من السرعة
والتعجل
والهرولة
اصابتنا واصابت كل العالم من حولنا
حيث لا وقت للتفكر
ولا للتدبر
ولا حتى لالتقاط الانفاس
وكأنما اصابتنا لعنة فرعونية مخيفة
او القيت علينا تعويذة شريرة من سحر اسود
تجرنا الدنيا في سباق محموم وبشع
يتساقط خلاله الاحباب
والاصدقاء
والذكريات
والمشاعر
دون ان نلاحظ او نكترث
بينما نواصل الجري بكل ما اوتينا من قوة
في تلك المسابقة الجهنمية
سعيا وراء اشياء لا ندركها
ولانفهما
وقد نكتشف عند خط النهاية انها ايضا لا تعنينا
وان ماتركناه خلفنا في سبيل اللحاق بها كان افضل
وانسب
وأهم
أتدرين؟!

تخيلت نفسي وقتها
وانا في حجرتي هذه
اصرخ صرخة مدوية
(كفاااااايااااااا)
صرخة كانها تعويذة شافية تهز ارجاء الكون
فتكف الارض عن الدوران
ويتوقف كل شئ عن الحركة
البشر
السيارات
الالات
الرياح
السحب
وحتى تلك المروحة الملعونة التي تدور فوق رأسي ويكاد صوت دورانها الرتيب يصيبني بالجنون
كل شئ يتوقف عن الحركة
يعطي نفسه ويعطينا هدنة لالتقاط الانفاس والتفكير
نتأمل خلالها كيف كنا ؟
وماذا صرنا ؟
وإلام سنصير؟
ننظر في المرآة  علّنا نفهم من هذا الغريب الذي يحدق فينا ونحاول ان نتعرف اليه من جديد
نراجع قائمة المفقودات الطويلة ونعطيها ما تستحقة من حزن واهتمام
نجهز كشف حساب مؤقت ونقارن التكلفة بالعائد لنتأكد من الطريق الذي نمضي فيه ونحاول تعديل اتجاهنا قبل فوات الاوان
ثم افقت من تأملاتي على صوت هاتفي يعلن استلامه لرسالة جديدة
"لا تخف لن أؤذيك"
هذا هو نص رسالة حضرة الباشا الضابط التي حدثتك عنها في المرة الماضية  ياسارة
مذا ستفعل إذن يا حضرة الباشا الضابط؟
هل تجيد شيئا آخر ؟
أه ربما تقصد أنك ستخبر أحمد سبع الليل أنني من أعداء الوطن وتترك له بقية المهمة
أعلم انك رجل طيب ووطني
انت لم تؤذي أي شخص من قبل
الآلاف الذين تم اعتقالهم أو اغتيالهم لم يتعرضوا لأذية
أنت فقط كنت تؤدي مهمتك
كنت تدافع عن الوطن ضد اعداؤه
انتم لا تخطئون
لا يأتيكم الباطل من بين أيديكم ولا من خلفكم
مؤكد انهم كانوا ارهابيين او كانوا سيصيرون ارهابييين أو كانوا سينجبون أولادا سيصبحون ارهابيين
حضرة الباشا الضابط !
انا ادرك تماما سبب صبرك وامهالك لي واعمل جاهدا على استمرار هذا السبب
لذا .. فكك مني

مدن !
داهمنا الوقت ولن اتمكن من الحديث عن ثريا في هذه الرسالة فأنا كما تعملين لدي موعدعمل في الصباح ولابد أ، أنام الآن لاتمكن في الاستيقاظ مبكرا للمشاركة في السباق الانتحاري للحياة
سامحيني سأحك لك عنها في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثامنة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أتدرين بم افكر حين اری ابتسامتك؟
ستقولين عني مجنون حتما . . كعادتك
افكر أن لو رآك نيوتن لأضاف لقانون الحركة عبارة جديدة
لو انه راك لقال أن لكل فعل رد فعل مساو له عدا ابتسامتها فلا استجابة تضاهيها
أتعلمين انه في اي ساعة من الليل عندما تضحكين تشرق في السماء شمسٌ
مازلت اذكر تلك الليلة حين رأيت إحدى عشر شمسا رأيتهم لي بارزين
كنت قد حكيت لك ليلتها إحدى عشر نكتة وحكاية وحيدة عن فراق حبيبين لم تعجبك
لطالما اخبرتني انك لا تحبين سوي الحكايات الخيالية
وحكايتي لم تكن كذلك
منذ تلك الليلة وانا اتابع النشرات الجوية يوميا
لكنني الی الان لم اسمعهم يعلنون عن اي شمس اشرقت ليلا في السماء
هل كان بيدي ألا أحبك يا مدن؟
إذن لماذا ألحت عليَ أم كلثوم ليلة أمس أن : خلينا بعيييد بعيد أسلم !!
أعلم أنه أسلم
لكن هل الامر بيدي؟؟
أخبريها يا مدن
أخبريها أن أرض الحب إذا انشقت تحت قدمي الانسان فانها تبتلعه لامفر
وأنه منذ تلك اللحظة محال أن يعود لسابق عهده
أبدا
مهما أراد ذلك
مؤخرا
تملكني شعور غريب
ودائم
ومتواصل
بأني عاري
أمشي في الشارع فأتحسس ملابسي فجأة لأتأكد أنها موجودة تغطيني
وأقاوم طول الوقت رغبة قوية بأن أغطي عورتي بيدي أثناء سيري
أنام ليلا فأشد البطانية تحت قدمي وأثبتها جيدا وأمدها حتى تغطي رأسي بالكامل
ثم أفيق عدة مرات أثناء الليل لأتأكد أنها مازالت تغطيني
أحساس قاسي ومرهق بأني عاري
الكل يرون عورتي وتخترق نظراتهم جسدي
سامحها الله أمي
هي من ملأ رأسي بتلك الافكار
جعلتني أصدق أني مميز
أني غير عادي وأني نادر الوجود
الآن أفتش في نفسي بلهفة
لا أجد إلا كل ماهو عادي وتقليدي
ما كان من المفترض أن يكون طبيعيا أصابني بالإحباط
لم أمسك نفسي من قبل متلبسا باتخاذ قرار
مذكرة دفاعي معده مسبقا
والشهود موجودون وأنا أولهم
كل ما في حياتي لم أقم به
لم أكن أبدا طرفا فى الأحداث
كنت دائما مفعولا به لا فاعلا
باستمرار كنت ذلك المشاهد الخامل الكسول
لم أجرؤ أبدا على مجرد التفكير فى المشاركة
المشاركة تعني الكثير
تعني أن أتحيز لموقف
أن أكسب طرف وأخسر الآخر
تعني أن أن أختار
وانا لم يكن عندي استعداد لدفع مقابل الاختيار
هذا لم يكن اختيارا على أية حال
إمتناعي عن المشاركة لم يكن إختيار
كان فقط هو الاسهل
هو الوضع القائم والموجود
كنت دوما ابنا بارا ومطيعا للمجتمع
لم أدخل الكلية التي أحبها
دخلت الكلية التي ستؤهلني لوظيفة مرموقة
لأحصل على الكثير من النقود
كي أتمكن من شراء شقة وسيارة وموبايل حديث
كي أتمكن من الزواج
لأنجب أطفالا وادخلهم مدارس أجنبية تؤهلهم لوظيفة مرموقة أيضا
ولا تنسي يا مدن أنني ابن بار للمجتمع
حيث لايسمح بالتفكير أو الاهتمام بأشياء تافهه وبلا قيمة
مثل الهوية
ممارسة الهوايات
التدين
الثقافة
امتلاك مشروع فكري أو معرفي
هذه أشياء غير مطلوبة للوظيفة المرموقة
هذه الاشياء لا تخلق (شخص مناسب لسوق العمل)
كم هي مقيتة هذه العبارة!
هل سيتغير أي شئ في المعني  لو استبدلنا كلمة ( شخص) بكلمة ( شئ)؟
وهل تنظر لنا الشركات العالمية سوى على أننا مجموعة من ( الاشياء)؟
وسيلة من وسائل الانتاج والاستهلاك ؟
وسيلة تستطيع أن تتحدث الانجليزية
وتتعامل مع الحاسب الالي
وتجيد التعامل مع الارقام
لغة البزنس الاثيرة
أما كل ما لا يمكن تحويله لأرقام فهو بلامعنى
وبالتالي فلا أهمية  لأن يتعلمه احد
ما هو حجم الايثار؟
كم يبلغ طول التضحية ؟
ما هو وزن النبل؟
هل يمكن الحصول على العدالة عن طريق البطاقات مسبقة الدفع ؟
هل يمكن تحويل الحرية لوديعة بنكية ذات عائد سنوي مميز؟
كيف نرفع الحصة السوقية للحق والخير؟ هل نقوم  بتغيير شكل العبوة ؟ أم نقوم بتوزيع "لويالتي كارد" على العملاء؟ أم أنه من الافضل عمل عروض ترويجية
اشتري عبوتين (حق بطعم البرتقال المنعش) واحصل على الثالثة مجانا
خصم 50% على احدث موديلات الخير لشتاء 2017
اشتراك مجاني لمدة سنة في مجموعة مختارة من العلاقات الانسانية الخالية من المصلحة والكوليسترول
الكمية محدودة والعرض ساري حتى نفاد الكمية
ألم أقل لك يا مدن
فيما عداك
ألف مليون لعنة على كل شئ في هذا العالم
آه بالمناسبة
أشكرك على رسالتك يا حضرة الباشا الضابط
كان الهاتف مغلقا فلم اتمكن من قراءتها سوى آخر الليل وحاولت أن ارد عليها لكن الرقم الخاص الذي ارسلت منه لا يستقبل رسائل
هكذا اخبرتني موظفة خدمة العملاء بنبرة آلية وود مصطنع
يالها من فتاة مثالية وصالحة لسوق العمل
لقد اعطيتها الدرجة النهائية في برنامج التقييم الذي أعدته الشركة لرفع كفاءة وسائلها الانتاجية ولابد أنها بهذه الطريقة ستحصل على مكافأة كبيرة وستتمكن أخيرا من نفخ شفايفها لتصبح أكبر من شفايف زميلتها "انجي" التي تحصل صورها على مئات الاعجابات خاصة تلك التي ترسم فيها شكل الـ ( دك فيس)
سأخبرك يا مدن
لا تتعجلي
سأخبرك بمحتوى رسال حضرة الباشا الضابط والرد الذي كنت انوي ارساله له وسأخبرك أيضا عن ثريا
لكن دعي ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة السابعة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أعلم يقينا أنه  كان لابد أن تولدي كي تدرك الارض أن لم يطأها نساء قبلك قط
وأنه كان لابد أن نلتقي كي تبتذل كل كلمة حب قيلت لسواك
لكن السؤال هنا
هل لابد أن نفترق كي تعلم الحياة أن ما مضي عليها من أحزان كان محض مزحة ؟
حسنا
لابد من الاعتراف
فيما عداك
ألف مليون لعنة على كل شئ
فليذهب العالم الى الجحيم  أو الى التجنيد الاجباري
لافرق
أتعلمين!
في فيلم الارهاب والكباب مشهد لا يفارق مخيلتي
عندما استنكر عادل امام على اشرف عبد الباقي كراهيته للتجنيد قائلا : انت في خدمة مصر
فأجابه عبد الباقي بتلقائية شديدة : انا مش في  خدمة مصر أنا في خدمة الباشا سيادة اللوا والعيال الباشوات ولاد الباشا سيادة اللوا
أظنك أخيرا تفهمني يا حضرة الباشا الضابط
تغير الامر الآن يا مدن
لم يعد المجند فقط هو الذي  يخدم الباشا سيادة اللوا
أصبح الشعب كله في خدمة الباشا سيادة اللوا والباشا سيادة المستشار أيضا
سيادة المستشار ذو البدلات التي تنقسم ميتوزيا وتتكاثر ذاتيا ولا إردايا حتى أنني أخشى إن ذكرته مرة أخرى في رسائلي ان يمنحه حضرة الباشا الضابط ( بدل ذكر في رسائل المواطنين / الخدم)
نعم
الخدم يا مدن
يزعجك الاسم ؟!
هكذا هي الحقائق دائما
مزعجة
ومقلقة
خاصة تلك التي تزعزع الموروثات والعادات العتيقة
تلك التي تثير العجائز والمتيبسين وتهيجهم وتجعلهم يدافعون باستماته عن ركودهم وأفكارهم القديمة البالية
ليس دفاعا عن الفكرة ذاتها
إنما دفاعا عن أنفسهم وكبرياءهم الشخصي
إذا كيف يقبلوا أن يكشتفوا بعد كل هذا العمر
أنهم كانوا سذجا وبلهاء وعاشوا عمرهم مخدوعين
مدن !
ألم يكن من الممكن أن تمتد اللحظة التي أنظر اثناءها في عينيك لتكون العمر كله؟
لماذا تتركينني هكذا
وحدي
أعانق الخواء
وألعن الفراغ
وأشتاق إليك
وأحبك
مدن !
لماذا أنت لست معي الآن؟
لقد تغيرت وتبدلت أحوالي في الفترة الاخيرة لدرجة مرعبة
فقدت الكثير من مرحي المعتاد
أتغير
أتغير بشدة
أفقد كل يوم جزء من نفسي
تدريجيا يتغير كل ما في
لون بشرتي
نظرتي
طريقة كلامي
عملية تحول بطيئة
ومخططة
وواثقة.
لم أعد ذلك الشخص الذي كنته
الحقيقة مرعبة
والواقع مرير وقاسي
الآن أدرك أهمية النظارات الشمسية
والضباب
والستائر
الزمن كائن أخطبوطي يلتهمني ببطء وتلذذ
حنيني لـ  (وطن)
لـ (معنى)
لـ (حياة)
حنيني لك يستهلكني
يطحنني لحما وعظما
أحلام اليقظة هي زادي في تلك الايام
أهرب بها وإليها
أغمض عيني
أسبح في حلم جديد
أقابلك صدفة
أعانقك حتى نكاد نمتزج
أغرق في تفاصيلك
اخبرك أنني منعت عماد من السفر
منحت أمينة المزغودة الكثير من النقود والروايات الرومانسية
أحضرت لأمي دواء للروماتيزم
ألقيت سيد الوكيل وزوجته من النافذة وأخبرت الشرطة أن شريف الوكيل هو الذي فعلها
ثم أتيتك  لأقضي ما بقى من العمر معك
أستغرق في الحلم بكل جوراحي
أشعر بالراحة والرضا
ثم أفتح عيني
فيصفعني منظر الغرفة بجدرانها البيضاء الباهتة
وشرفتها التي تطل على اللا شيء
يخنقني ذلك الفراغ الذي يحيط بي
آه يا مدن
أنا لا أنتمي لهذا الزمان
تركتني ف الماضي
وجئت هنا أبحث عن شيء لا يعنيني
مدن !
أخشى أن حضرة الباشا الضابط بدأ يشعر بالملل من كآبتي وانت تعلمين جيدا عاقبة هذا الامر
لا أدري
سأحاول في الرسالة القادمة أن أمنحه بعض الاثاره
ربما أحقق وعدي القديم وأحكي لكما عن ذلك البرنامج التافه
ربما
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة السادسة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
الحب يا مدن هو ان يقبل الحبيب حبيبه كما هو
ألا يتمنى أن يكون أقل أو أكثر مما هو عليه
لكنني على العكس من ذلك
اتمنى أن تكوني أقل مما أنت عليه
فالقلب لم يعد يتحمل هذا القدر الهائل من الجمال
والبهاء
والفتنة
والسحر
بالأمس شاهدت فيلم " انترستيلر"
الفيلم جميل يا مدن ولابد ان نشاهده سويا في أقرب وقت
سارة
باعتبار أن حياة الإنسان ليس ملكا خالصا له بحكم تداخلها من أشخاص آخرين كالأم أو الحبيبة مثلا
ما مدى أخلاقية التضحية التي يقوم بها الإنسان؟
وهل يرجع القرار له وحده ؟؟
حين قرر " ماكونهي" (بطل الفيلم) السفر للفضاء في محاولة أخيرة لإنقاذ العالم وواجه قراره رفضا قاطعا من ابنته الصغيرة التي تحتاج رعايته واهتمامه والتي قاطعته ورفضت الحديث معه بعدما نقذ القرار وسافر بالفعل
هل كان عليه أن يستجيب لها؟

هل تظن أنك تعرف الخير من الشر يا حضرة الباشا الضابط
طيب
ما رأيك في سلوك " مات ديمون" الذي قرر أن يضحي بنفسه وينقذ البشرية ثم بعد أن جرب الوحدة وواجه الموت قرر التراجع ولجأ للكذب والخداع من أجل أن يجعلهم ينقذونه؟
هل جربت أن تعيش وحدك على كوكب ما ؟ بلا أي حياة أخرى ولا حتى شجرة
لا اظنك تفهمني يا حضرة الباشا الظابط
منذ متى وانتم تفهمون عامة الشعب
المواطنون العاديون
المواطن العادي يا مدن هو نقيض المواطن ابو شرطة ( بفتح الشين)
اما المواطن ابو شرطة فهو المواطن الذي يسبق إسمه ( شرطه) وقبلها لقب ما
فيكون مثلا
المستشار / فلان
أو
اللواء / فلان
هذا هو المواطن المرئي
المواطن المسموع
ولأن حضرة الباشا الضابط ينتمى لنفس الفصيلة ذات الـ ( شرطة)
فهو يفهمهم
أما نحن ؟؟!!
لا أظنك تحتاجين لمزيد من الايضاح في هذا الصدد
يقول جورج اورويل في احدى رواياته
"قد لا يحتاج الانسان أن يكون محبوبا بقدر ما يحتاج ان يكون مفهوما"
لكن ما يدعو للأسف أن الفهم الكامل يكاد أن يكون مستحيلا
إذا كان الانسان لا يقوى على فهم ذاته بالكامل
فما بالك بالآخر
نعم يا مدن
لا أحد يستطيع أن يفهم أحد على نحو كامل
ويبقى أقصى ما نرنو إليه هو حاله أشبه بحالة "عبلة الرويني" مع "أمل دنقل" والتي عبرت عنها في كتابها البديع " الجنوبي" الذي يحكي قصة حياة " دنقل " بمنتهى الرقة والعذوبة والفهم
ما اجمل أن يجد الانسان شخصا يفهمه كل هذا الفهم
الذي يصل لدرجة التماهي
فيفلسف عيوبه
ويفسر أخطاؤه على انها ناتجه من نبله وشاعريته
ويتفهم احتياجاته وتقلباته المزاجية
فيصمت حين يكون الصمت واجبا
ويتحدث حين يكون الحديث مطلوبا
والى لقاء في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الخامسة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أتعلمين
كلما حاولت تغيير افتتاحية الرسالة لا أجد ما يليق بك فأعود مضطرا لنفس الافتتاحية
اليوم مثلا فكرت أكتب  ( مساؤك كما تشائين ) لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة

أحيانا كثيرة لا يعرف المرء ما الذي يريده بالضبط؟ ماذا عليه أن يفعل تحديدا ؟
ما الذي يزعجه ؟ وما الذي يسعده ؟
أحيانا كثيرة لا تكون حرية الاختيار شيئا جيدا  ويحتاج المرء لمن يأخذ بيده
يدله
يهديه
الاختيار هو ابتلاء البشر
نكبتهم
مأساتهم
وكان الانسان ظلوما جهولا
أتعلمين
مثلي ومثل الدنيا كشخص يلعب لعبة الكراسي الموسيقية
إن لم يجد كرسيا ليجلس عليه يحزن لانه خسر وخرج من اللعبة
وإن وجد كرسيا وجلس عليه يحزن أيضا لأن لاعبا آخر خسر وخرج من اللعبة
في رباعيات جاهين رباعية عبقرية تقول :
إيش تطلبي يا نفس فوق كل ده
حظك بيضحك و انتي متنكده
ردت قالت لي النفس : قول للبشر
ما يبصوليش بعيون حزينة كده
هذه الرباعية تلخص علاقتي بالدنيا
سارة
اشتقت لنظرتك المدهشة المندهشة كأنها ترى الاشياء للمرة الاولى
اشتقت لابتسامتك التي تجعلني
أذوب
وانصهر
واتبعثر
واتطاير
واتلاشى
وتجعلني أعيش
هل تدركين معنى أن تكونين سببا وحيدا وكافيا لاستمرار الحياة
إذن لماذا انت لست معي الآن؟
في  الرابعة من فجر الجمعة الماضية استيقظت مفزوعا على صوت طرقات عنيفة ومتسارعة على الباب
كان عم "غنام"
ابنته الصغرى تشكو من ألم شديد بالبطن ويريد أن يأخذها للطبيب خشية أن تكون الزائدة
طلب مني مائتي جنيه حتى يحصد الأرض لأنه لا يملك سوى عشرين جنيها فأخبرته أني سأذهب معه
سألته هل احضر سياره إبراهيم فأخبرني ان ابنه وائل ايقظ صبحي وسيأتي معنا بسيارته
ركبت البنت وأمها في كابينة السيارة النصف نقل الأمامية وركبنا عم غنام ووائل وأنا في الصندوق الخلفي
عندما اخبرني أن وائل أيقظ صبحي وسيأتي معنا ظننت أنه يقصد صبحي أبو رضوان جاره المباشر لكنني فوجئت أنه صبحي الشناوي الذي يسكن في آخر القرية فسألته  بصوت مرتفع لأتغلب على الضجيج الذي تحدثه السيارة : ليه مصحيتش صبحي ابو رضوان أقرب لك
فأجاب بانفعال : ده واد واطي مش بيشخ على ايد مجروح .. أني طالق له فارغة من زمان
التزمنا الصمت بقية الطريق
كنت أفكر فيك
وكان عم غنام يحدق في ابنته المريضه من خلال الزجاج الخلفي للسيارة
بينما وليد افترش أرضية السيارة وغط في نوم عميق
عم غنام هو المزارع الذي يزرع لنا أرضنا
ربما هو الوحيد في قريتنا الذي مازال يحافظ على نمط الحياة الريفي الأصيل
فهو مثلا ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ في الفجر
كما أن زوجته مازالت تخبز الخبز الفلاحي في الفرن البلدي
ذات مرة عندما أتي ليهدي امي بعض أرغفة الخبز الفلاحي الذي نحتاجه فقط من أجل "الفته" سألته لماذا مازلتم تصرون على الخبز الفلاحي فأخبرني انه لا يستسيغ الخبز الابيض البلاستيكي الذي نأكله
أهم ما يميز معيشته هو البساطة
يتغلب على نقص السيولة بحيل يعرفها جميع الفلاحون
فهو يشتري احتياجاته من عم جلال بالأجل ويدفع له مع كل محصول
ولان عرف الزراعة عندنا يقول أن المزارع يتحمل تكلفة الأيدي العاملة بينما يتحمل مالك الأرض بقية المصروفات من بذور وسماد وري وخلافه
فهو يتحايل على هذا بطريقة تعرف بـ ( المزاملة) حيث يعمل في أرض مزارعين آخرين بدون اجر مقابل أن يعملوا في أرضه أيضا بدون أجر وهكذا
عندما رغب  وليد ابنه الاكبر في الزواج من ابنة عمه "فكرية" رفض عم غنام ورشح له ابنة خالتة "ميادة" وطلب مني أن اقنعه قائلا : أصل الواد بيعزك وهيسمع كلامك
ولما سألته عن السر وراء تفضيل ميادة على ابنة أخيه تعلل قائلا : البت ما تتعيبش الصراحة
بس دي ترباية بندر وبتحط احمر وأخضر
ديك النهار كانوا حدانا في الدار
وشافت الجاموسة والواد غريب بيبيتها قوم خافت منها
مش لوننا يا وليد عيلة مايصة كده
لكن ميادة بالصلاة على النبي
طالعة لامها
شاطرة وشايلة بيتهم من صغرها
وكمان بتعرف تحلب
ثم أضاف بنبرة ماكرة : احنا عايزين واحدة ايديها بايدينا يا يحي يا بني مش واحدة تفضل تقول عايزة وهاتلي وهي ما بتدخلش جنيه
وافق وليد
وقرر عم غنام ان يمنحه غرفه في البيت ولما اقترحت عليه ان يهدم حظيرة المواشي ويبني للولد غرفتين مكانهما ليحظى بالاستقلالية
أجابني بتلقائية وحسم : ماهو اني لو هديت الزريبة الواد هيلاقي الاستقلالالية دي بس مش هيلاقي ياكل
من يومها احتفظت باقتراحاتي لنفسي وادركت مدى الاختلاف بيننا
عم غنام رجل طيب
هادئ
عملي
بسيط
لا تفارق الابتسامة وجهه
وعندما يضع رأسه على الوسادة ينام من فوره
غير مبتلي بصفات الطبقة المتوسطة
لم تصبه لعنة الطموحات المجهضة والأحلام الموءودة
عم غنام ليس لديه أحلام من الأصل
لا يشغله  لماذا خلق ؟ ولا ما الذي يفعله هنا ؟
لا يطرح عقله عليه أي أسئلة
الاسئلة يا مدن كائنات شريرة
تنهش الارواح وتصيبها بالقلق
والتوتر
والدوار
الاجابات ايضا ليست خيرة كما قد يتبادر لذهنك
الاجابات مخاتله
مخادعة
متلونة
وجبانه
مدن
عندما أبدا أي رسالة لك فانني لا تمنى ان تنتهي أبدا
لكنني مرهق
اشعر بارهاق شديد
واشتياق
وحب
واستأذنك أن نكمل كلامنا في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها

المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الرابعة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساؤك سكر
تقول الست طيب الله ثراها
  يا حبيبي ... تعالى وكفاية اللي فاتنااا هو فاتنا يااا حبيب الروووح شوية ؟!
هات عينيك تسرح في دنيتهم عنيا
هات ايديك ترتااح للمستهم ايديا
يا حبيبي تعالي
يا حبيبي تعالى
أين أنت يا مدن
ولماذا لا تأت بعد أن بح صوت الست وهي تشدو بكلمات  الرقيق احمد شفيق كامل الذي كان يحب جارته ذات الاصول الارستقراطية حبا عفيفا من طرف واحد جعله بكتب بعضا من اجمل وارق ما غنت ام كلثوم
عاش احمد شفيق كامل ومات ولم يتواصل مع حبيبته بل لم تعرف من الأساس انه يحبها وأنها ملهمته وبطلة أغانية العاطفية  التي بلغت حوالي المائة
ولكن بهذه الحال الباعثة على الاسى هل يمكن القول انه عاش فعلا ؟
مدن
لماذا انت لست معي الان؟
هذا هو السؤال الجدير بالطرح وليس ذلك السؤال العبثي البديهي الذي تصرين على تكراره يا مدن
أيسأل الانسان لماذا يأكل ؟
لماذا يتنفس؟
إن سؤالك هذا يذكرني بسؤال مراسلة قناة دريم الغبية لصديقي خالد الشرقاوي في ثورة يناير
لماذا تثورون؟؟
هكذا سألت بكل ما اوتيت من غباء
قاوم خالد رغبة ملحة في ركلها واجاب بمنتهى الغيظ : بعد كل الخراب والدمار اللي في البد جايه تسألينا ثرنا ليه هو فيه بيت في مصر ما فيهوش مريض سرطان او كبد او فشل كلوي ؟؟
هو فيه بيت في مصر مفيهوش شاب عاطل او متغرب ؟؟
هو فيه مصلحة بتتقضي في مصر غير برشوة او بمرمطة وقلة قيمة؟؟
بدل ما تسألينا احنا ثورنا ليه اسألي الناس اللي قاعدة في بيوتها واحنا هنا بنموت اساليهم قاعدين ليه ؟؟
لم يذاع التقرير بطبيعة الحال
ملحوظة : لا تجهد نفس بالتحري عن خالد يا حضرة الباشا الضابط فقد استشهد بعدها بعدة أشهر في أحداث مجلس الوزراء
لا تبتئسي هكذا يا مدن فانا لست حزينا على خالد كما تتصورين بل على العكس أنا فخور به فقد عاش حرا وشجاعا ومات بطلا مرفوع الرأس
صدقيني يا مدن انا لا أتهرب  لكن مثل هذا السؤال ليس له اجابه
هل أستطيع القول مثلا أني احبك لأنك نقية كقطرة مطر أبت الهطول لأن السماء أنسب لها
أم لأنك بريئة كزهرة تفتحت للتو
هل أحبك لأنك رقيقة كهمسة
كنسمة صيف
كمناجاة
أم لأنك وديعة كابتسامة رضيع
هل أحبك لأنك تبعثين في روحي الطمانينة و البهجة كركعتي فجر
أم لأنك صادقة كدعاء أم لأبناءها
هل أحبك لأنك طازجة كرائحة الأرض بعد المطر
أم لأنك شهية كرائحة الخبز الساخن
هل أحبك لأنك دافئة كحضن
كتنهيدة
أم لأنك سخية كغصن لم يتعلم بعد كيف يقبض كفيه
أم تراني أحبك لأن كل تلك الإجابات قد تليق بك لكنها لا توفيك قدر سحرك
لا أدري
الحب سر مقدس  يا مدن لا تدرك دوافعه ولا أسبابه
وان أدرك لم يعد حبا أو بالأحرى هو لم يكن من البداية
لذا أرجو أن تكفي عن تكرار هذا السؤال لأنه يحمل في طياته اتهام مبطن لحبي لك حتى ولو لم تقصدي
حسنا
سأتركك الان لأني أشعر برغبة شديدة في النوم حتى أنني اشعر ان فمي سيتمزق من كثرة التثاؤب (هااااااوم)
لا يا حضرة الباشا الظابط أنا لا أكذب
صحيح أن اليوم أجازة يا مدن لكنني استيقظت مفزوعا في الرابعة فجرا على أثر طرقات عنيفة على باب المنزل ولم أذق طعم النوم من وقتها
أما عن هوية الطارق والموضوع الذي دعاه لزيارتي فجرا (هاااااوم) فدعي ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها

المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثالثة والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
لو انك الآن معي
بجواري
لو أن لي قوة أو آوي إلى حضنك الدافئ الرقيق
تعبت يا مدن
تعبت من كل شئ
أنهكني البعد
اشتقت لتلك القشعريرة التي تسري في أوصالي حين تنظرين الي بعينيك الساحرتين
اشتقت لجنيات الهيليوم  وحدائق البهجة والفرح التي تحملني إليها ابتسامتك العذبة المذهلة
كيف لمرآتك وفرشاة شعرك وأقراطك ان تكون معك وأنا لا
لا يحق لشئ أن يكون أقرب لك مني يا مدن
أبدا
ليلة أمس استبد بي الشوق فخرجت أهيم في طرقات قريتنا
مشيت من الجهة الغربية ناحية المقابر طلبا للهدوء والسكينه و كي لا تتلوث روحي بمنظر الكتل الاسمنتية القبيحة المسماة ظلما وبهتانا (بيوت)
حملتني قدمي حيث عم جلال
جلست بجواره مطرقا الى الأرض لا أتكلم
فبادرني : الله يلعن أبو الحب اللي مبهدلكوا ده ياخي .. مش ناوي تفوق بقى
- قصدك مش ناوي تموت
- مش فارقه كتير
كان يستعد لإغلاق المحل فغادرته وعدت إلى المنزل
في الراديو كانت المذيعة التافهة تسأل المتصل : ماذا ستفل إذا ارتديت طاقية الإخفاء
أجاب الرجل : سأذهب إلى أكبر بنك واحصل على مبلغ كبير واشتري احدث سيارة  وكل ما أرغب فيه
هل تعلمين بماذا ردت المذيعة التافهة ؟؟
بعد ضحكة ساذجة قالت له : ولكن الطاقية ستخفيك وحدك ولن تخفي النقود فكيف ستخرج ؟؟
-عـته-
ماذا عنك يا حضرة الباشا الضابط ؟؟
ماذا ستفل بطاقية الإخفاء؟؟
لا أظنك تحتاجها فانتم تمتلكون من الوقاحة ما يمكنكم من الذهاب الى أي مكان دون الحاجه للاختفاء
أما أنا فأنت تعلمين جيدا ما سأفعله بطاقية الإخفاء يا مدن ولا داعي للإفصاح
أدرت المؤشر فإذا بمذيع آخر أكثر تفاهة يسأل المستمعين : ما هي السعادة ؟؟
أجمع معظم المتصلين يا مدن أن السعادة في المال والقليل قالوا في الزواج والاستقرار
لا أدري
هل أصبت مؤخرا بجنون العظمة أم أن الناس قد أصبحوا  فعلا مبتذلين إلى هذا الحد
لم يمتلك أحدهم الشجاعة ليعترف انه لا توجد سعادة بالمعنى الذي يروج له ذلك الأبله
ليعترف أن السعادة ما هي إلا حالة استثنائية تؤكد القاعدة وتثبتها
كل الذين ذكروا أسباب السعادة ذكروا الأشياء التي يفتقدونها
لن تجدي احد الأثرياء يقول ان السعادة في المال
كما لن تجدي أيا من المتزوجين يقول أن السعادة في الزواج والاستقرار
السعادة يا مدن قد توجد في أي شئ الا الشئ الذي نمتلكه
السعادة تقترن بكل الازمنه الا الحاضر
حينما كنا أطفال كنا نظن السعادة تنتظرنا هناك في المستقبل بعد أن ننتهي من أعباء المدرسة وسخافة المذاكرة
فتمنينا أن نكبر
وحين كبرنا
حين كبرنا تألمنا مرتين
مرة لأننا كبرنا
ومرة لأننا تمنينا أن نكبر
واكتشفنا أننا خلَفنا  السعادة وراءنا ( هل هي حقا وراءنا؟)
حينها أصابتنا نوستالجيا لعينه تسحبنا بخيط من لهيب الى الماضي
حيث الطفولة
حيث البراءة
حيث كان يمكننا أن نمنح أنفسنا بالكامل لما نحب
قبل أن تمزقنا الاهتمامات والطموحات والأوهام
قبل أن يستولي علينا  التوتر والقلق
القلق من من المجهول
من اللاشئ
ومن كل شئ
أتدرين ما هي المشكلة يا مدن
المشكلة والمأساة أننا لا نلعب في قصة حياتنا دور البطل ولا السنيد ولا حتى الكومبارس
بل نقوم بدور المشاهد
المشاهد الخامل الكسول الذي لا يعجبه الفيلم ولا يجرؤ على تغيير المحطة
قطعه من الخشب تطفو بلا إرادة منها فوق نهر ثائر يحملها الى حيث لم ترغب  يوما
شجرة عتيقة تتساقط وريقاتها عنها دون أن تتمكن استبقاءها قليلا أو السقوط معها
وكلما مر بها شخص قطع غصنا من أغصانها ليستدفئ به ويتركها
وحيدة
وعارية
تعاني من الفقد
والوحشة
والخذلان
ماذا عنك يا حضرة الباشا الضابط؟؟
ما هي السعادة بالنسبة لك؟
ماهو الشئ الذي يسعدك أكثر
قتل الأحرار أم اغتيال أحلامهم؟؟
تعذيب الأبرياء بالكهرباء أم بالتعليق من الأرجل؟؟
تدمير الوطن وفق خطة محكمة ومملة أم وفق أحداث عشوائية مليئة بالإثارة والتشويق؟؟
ما رأيك أنت يا مدن ؟؟ ما هي إجابة حضرة الباشا الضابط التي تتوقعينها ؟؟
سأتركك تفكرين في الاجابه
على وعد بلقاء في رسالة قادمة
 
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها

المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الثانية والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر كالمعتاد
كنت سأكتب الجملة السابقة كالتالي :
( مساؤك سكر كما يليق بك)
لكنني فكرت أن لاشيء يليق بك في هذه الدنيا .. الدنيا
أنت لا تنتمين إلى هذا العالم يا مدن
إذا كنا نحن نعيش داخل كهف أفلاطون فأنت تعيشين هناك بالخارج في عالم المثل والكمال المطلق
مذ رأيتك يا مدن لم اعد اعرف معنى الوحدة
أصبحت تسكنينني طوال الوقت
أعيش بك
ومعك
ولك
في أجمل مشاهد الفيلم العبقري ( الحاسة السادسة)  يجلس الطبيب النفسي (البطل) مع الطفل المريض الذي يشاهد الاموات ويسأله : متى تشاهدهم ؟؟ أثناء النوم؟؟
فيجيبه الطفل بمنتهى التأثر : طوال الوقت
وفي نهاية الفيلم يكتشف الطبيب انه شخصيا ميت منذ سنوات وانه احد الأموات الذين يشاهدهم الطفل طوال الوقت في مفاجئة مرعبة وعبقرية تجبر المشاهد بعد نهاية الفيلم أن يتحسس جسده ويتساءل أتراني مازلت حيا بالفعل أم أنني ميت منذ أمد ولا ينقصني سوى اكتشاف ذلك
مذ رأيتك يا مدن وأصبحت مقياس الأنوثة والجمال بالنسبة لي
فأقول هذه شعرها  أقصر من مدن وتلك عيونها أضيق من عيون مدن
قبل يومين كنت أشاهد فيلم ( بنتين من مصر) الذي يعالج مشكلة العنوسة
الفيلم  جميل ومؤثر قصةً وإخراجا وتمثيلا
والعنوان نفسه شديد الإيحاء
بنتين من مصر .. الم يكن هذا اختبارا كافيا ؟؟
ماذا لو كانتا بنتين من ألمانيا مثلا ؟؟ أكانت العنوسة تسبب لهما كل هذا الألم ؟؟
ذكرني الفيلم بزميلتي في العمل السابق
الآنسة قمر .. هكذا تحرص على تقديم نفسها مع الضغط على حروف كلمة ( الآنسة)
كانت في أوائل الثلاثينات عندما التحقت بالعمل قبل ثمان سنوات
فتاة عادية جدا ليست بالجميلة وليست بالدميمة
ليس لديها ما يمنع من الزواج
لاشئ سوى النصيب
كانت الآنسة قمر تتظاهر طوال الوقت أنها على ما يرام وان تأخر الزواج لا يقلقها
وكانت طوال الوقت تفشل في ذلك
عندما كان يصلها خبر عن خطبة فلانة أو علانه
كانت تجاهد  لإخفاء مشاعر الغيرة والحرج
لكنني كنت دوما المح بوضوح ذلك التساؤل يطل  من عينيها
ما الخطأ ؟؟
ما هو العيب الخطير الذي يجعل الرجال يتخطفون كل البنات من حولي ويتجاوزنني؟؟
كانت متوترة و محتارة
تارة تتحجب وتارة تخلع الحجاب
تارة تتباسط مع زملاءها الرجال وتارة تنزوي وتضع الحدود والقيود
جربت كل شئ
لكن لم يفلح أي شئ
في الوقت الذي كان يلومها الناس فيه
كنت أنا أشفق عليها وأتعاطف معها وأدعو لها في صلواتي
كنت أدرك مدى هشاشتها وضعفها
كنت أثق أنها ليست فتاة سيئة  أو ذات سلوك مشين
غاية ما في الأمر أنها تتمنى أن تتزوج
ليس حبا في الزواج
بقدر ما هو هربا من نظرات جاراتها التي تخترقها في الذهاب والإياب
هربا من ابتسامات زميلاتها اللزجة وألسنتهم التي تنهشها ليل نهار
تتمني أن تتزوج لأنها لم تعد تتحمل شعور أمها بالخجل كلمها سألها أحدهم عن الآنسة قمر
ولم تعد تطيق سماع جدتها وهي تمصمص شفاهها كلما مرت من أمامها الآنسة قمر
ولم تعد ترغب في سماع هذا اللقب الكريه كسبه ( الآنسة قمر)
كنت اشعر بكل ما تعانيه قمر وأدرك أن لا حل لها سوى بالزواج
لأنها كبطلتي الفيلم
لأنها من مصر
لأنها تعيش في مجتمع يحمل المرأة وزر كل ما  يحدث لها
إذا تحرش بها رجل فهي المخطئة
وإذا طلقت بعد الزواج فهي المخطئة
وإذا فاتها قطار الزواج في المخطئة
كانت هي أيضا  تدرك كل هذا فلم تبدد ألمها في الشكوى والتظلم والندب
وكنت أود أن اخفف عنها
ا ن أهون عليها وأساعدها
أن اخبرها  أن الحياة الناقصة والفرص الضائعة أفضل من الحياة المكتملة وتحقيق الأهداف
الفرص الضائعة أجمل وأكثر إثارة لأنها تترك الحرية للخيال وتحافظ على بقايا الامل
أما الأهداف فمحددة النهاية ومكتملة وما يكتمل يفقد جماله ويذوي ويذبل
الحب يكتمل بالزواج فيذبل
والشوق يكتمل باللقاء فتكتشف أن من اشتقت إليه ليس كما تصورته
والأحلام تكتمل وتتحقق فتصبح أبشع من الواقع
الجمال والإثارة يختبئان فقط في القصص الناقصة والأحلام غير المكتملة والأهداف التي لا نصل إليها أبدا
الجمال والإثارة يختبئان في الفرص الضائعة
انا لا أخشى على حبنا شيئا سوى من الاكتمال يا مدن
لكن دعينا نتوقف عن الحديث عن الانسه قمر وننهي هذه الرسالة الآن قبل أن أتفوه بكلمات قد أندم عليها والى لقاء في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها

المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الحادية والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
يقولون أن منتهى الشئ هو الحد الذي لايمكن للشئ أن يزيد بعده
وانت يامدن منتهى الحب ومنتهى الجمال ومنتهى الرقة ومنتهى الروعة ومنتهى الحياة
مدن ! ما رأيك؟
افكر منذ فترة في اعتناق الوجودية  على الرغم من انني لم افهم شيئا اطلاقا من رواية الغثيان لسارتر
" قوانين الاحتمالات تنطبق على البشر بصفة عامة كنوع اما فيما يخص الانسان الفرد فكل شئ قابل للحدوث"
اغوتني تلك الفكرة بجنون
سلبت لبي
قد يكون احتمال الاصابة بأمراض القلب في مصر هو عشرة بالمائة لكن لاشئ  اطلاقا يمنع أن اكون أنا أوحضرة الباشا الضابط ضمن هذه العشرة بالمائة
احمق من يظن الدنيا تمشي وفق خطة محكمة أو أن هناك قانونا يحكم أي شئ يا مدن
تتفوقين في الدراسة لكن ابن العميد هو الذي يتم اختياره كمعيد
تخلصين في عملك ثم يحصل على الترقية أشد زملاؤك قدرة على النفاق والانبطاح ولعق الاحذية
تتبعين التعليمات وتحافظين على النظام وتمشين بجانب الحائط ثم يأتي شاب أرعن مستهتر يحطم الحائط ويدهسك بسيارته ثم لا تتم محاسبته ولا حتى توبيخه لأنه من طبقة "انت مش عارف انا ابن مين"
لا شيء مضمون
البته
مثلنا كمثل ريشة "فورست جامب" تحملنا الريح في كل اتجاه وفي أي اتجاه ولا توجد وسيلة لمعرفة المكان أو الزمان الذي ستتركنا فيه
فكرة واقعية
ومخيفة يامدن
بالامس بعد صلاة المغرب كنت اقود دراجتي على الطريق بين قريتنا وبين المدينة
كان هناك رجلا اربعينيا يرتدي جلبابا يسير خلفي بدراجة تشبه دراجتي الى حد كبير
تخيلت انني سمعت رنين هاتفي فتوقفت لأتأكد .. لم أجد شيئا
سبقني الرجل ببضع خطوات
أتت سيارة مسرعة
صدمته
في الموضع الذي كان من المفترض ان اكون فيه تماما
طار في الهواء
هربت السيارة
سقط
بقعة دم هائلة تلتهم الاسفلت
وانا مذهول لا أصدق
بعد دقيقتين
توقفت سيارة قادمة من الاتجاه الاخر
نزل ركابها
اجتمع الناس
اعلنوا موت الرجل
وأنا مازلت مذهول.. لا اصدق
مات ؟! . . بهذه البساطة؟؟
هل كان على استعداد ؟؟ هل صلى ؟؟
ترى الى اين كان يتجه؟؟ هل كان يعلم انها رحلته الاخيرة؟؟
هل ودع أولاده كما يجب؟؟ هل شرح لزوجته الامر الذي كان يؤجله منذ شهور قبل أن يخرج؟؟
هل كان عليه أن يزور امه فور طلبها له و ألا يؤجلها للغد ؟ هل ادرك أنه كان احمقا حين قال لها " الدنيا ماطارتش"؟؟
هل صلى ؟
هل شغلته الاسئلة التي سيتلقى اجابتها ابتداء من هذه اللحظة؟
ماهي فكرته عن الزمن الان؟؟ هل قرأ لسارتر؟؟ هل سمع بنظرية الكوانتم؟؟
هل يدرك الفرق بين الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر؟
هل صلى صلي؟؟
هل احتفل بفوز الاهلي بالدوري ؟
هل قام بتنزيل نسخة الويندوز الجديدة؟
ماذا كان رأيه في مسلسلات رمضان الماضي؟
هل صلى ؟
كيف سيعلن احمد موسى وفاته؟؟ هل سيعتبره من المواطنين الشرفاء ويتظاهر بالحزن عليه؟؟
أم سيعتبره ارهابيا او طابورا خامسا يركب دراجته ويعرقل بها طريق السيارات التي تقود الشعب نحو التقدم والازدهار والهاوية؟
كيف تلقى خبر القبض على الراقصة برديس؟؟ هل اساءه توجيه تهمة التحريض على الرذيلة لها بدلا من توجيهها للحكومة؟
ما هي السبة التي قالها عندما سمع  تصريحات مدير كلية رؤساء الجمهورية ( الكلية الحربية سابقا)؟
هل صلى ؟
هل نظر في عيني السائق المتهور وهو في الهواء؟؟
هل تألم؟؟ لماذا لم يصرخ؟؟
بماذا كان يفكر اثناء سباحته في الهواء؟؟ هل شغله مصير دراجته؟ أولاده؟ عمله؟
جلبابه مرفوع الى صدره! هل كان يخشى عليه أن يتلوث بالدم؟؟
لم اقترب من الموت الى هذا الحد من قبل يا مدن
هذه المرة كان قريبا جدا مني
نظرت في فوهته المظلمة سحيقة العمق
وارتجفت
كان يحوم فوقي طول الوقت
كان يعلم انه سيقبض روحا ما في هذا الموقع. ترى هل ارتبك حينما وجد اننا اثنين في نفس المكان؟
اقترب مني . ترى هل بدأ بي أم بالرجل الاخر؟؟
صار في مواجهتي تماما . نظر في عيني بتفحص ثم نظر في اوراقه .  ترى كيف حسم الامر؟؟
هل هو الجلباب ؟؟ هل كان موضحا في اوراقه ان العميل يرتدي الجلباب ؟؟
هل هو السن؟؟ ألأنه كان أصلع؟؟
هل كان بالاوراق صورة للعميل ؟؟ ماذا لو لم تكن واضحة بما يكفي ؟؟
هل كنت أنا المقصود وانقذني رنين الهاتف المتوهم؟؟
هل تنقذ الاوهام الانسان ؟؟ هل ترديه؟؟
ألم أقل لك يا مدن
لا شئ مضمون
البته
مثلنا كمثل ريشة "فورست جامب" تحملنا الريح في كل اتجاه وفي أي اتجاه ولا توجد وسيلة لمعرفة المكان أو الزمان الذي ستتركنا فيه
لا شئ يسير وفق الخطة  أبدا
حتى هذه الرسالة لم تسر فيما كان مخططا لها
لم انجح في الحفاظ على معدل السعادة والرومانسية في رسائلي
لعل هذا يثبت ما قلته لك سابقا  من ان الحزن هو أكثر المشاعر التصاقا بالانسان واكثر الأحاسيس أصالة في الحياة وكل ماعداه هي مشاعر ثانوية مؤقته تظهر وتختفي بينما شجرة الحزن راسخة تضرب جذورها في اعماق الروح أصلها ثابت وفرعها في السماء
كل المشاعر سوى الحزن يامدن  كالزبد
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما الحزن فيمكث في الارض
سوف لن أعتذر هذه المرة عما جاء بالرسالة لا أريد أن اكون مبتذلا
المهم انك تتفهمين وتعذرين
يقول سارتر أن الجحيم هو الآخر
وأقول أنا أن الجحيم هو حضرة الباشا الضابط الذي يريدني ان اكتب رسائلي الى محبوبتي بطريقة تليق به هو
الى اللقاء يا مدن في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة العشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
مدن.. انا لا اجيد التعبير عن الحب
لكن كل ما اعرفه انني منذ رأيتك
منذ أحييت قلبي من رقاده
صرت خاليا من كل رغبة الا الرغبة في اسعادك
منزها عن غرض الا  محاولة ارضاءك
متمنيا بكل صدق أن اتلاشي بك
أن أذوب فيك
أن أسكنك وتسكنينني
قابلا بكل رضي
أن أموت وتعيشين
أحزن وتسعدين
اتألم وتفرحين
منذ رأيتك
صار العالم بأسره لاشئ  اطلاقا
سواك
منذ رأيتك أمسيت
اسمع من صمتك أعذب كلمات الحب
واري في وجهك المشرق جمال الدنيا ورقتها
والمح في عينيك حياتي وعمري
واعشق كل ما تفعلين
كل عام وانت بهية يا مدن  كل عام وانت كما كنت دوما  كل الحب وكل الرقة وكل الجمال وكل السحر وكل الحياة
بعد عدة أيام يحل عيد ميلادك
لا استطيع (كالعادة) أن اصف لك مدى امتناني لهذا اليوم
ولا أدري كيف كنت سأتحمل حياتي لولاه
وسأقول لك كما اعتدت في مثل هذا اليوم من كل عام
انك كنت دوما بالنسبة لي وعلى نحو ما سببا وحيدا لاستمرار الحياة
لا أكاد أرى شيئا جميلا في حياتي الا واجدك تسكنين فيه
الفرق بينك وبين اله اسبينوزا ان الهه يحل في كل الاشياء بينما أنت تسكنين فقط في الاشياء الجميلة
تغلفين رائحة المطر
تنسابين من نظرات الفتيات الصغيرات المفعمة بالبراءة والامل  
تتجدلين مع ضفائرهن
تطلين من خلف كراريسهن اللاتي يحتضنها وهن ذاهبات للمدرسة صباحا
ترفرفين مع اجنحة السنونو في هجراته السنوية فتمنحين ريشاته الوانها البراقه البديعة
تصدحين مع تغريد الكروانات وهديل الحمامات و زقزقة العصافير حين تنادي على نور الشمس قبيل الشروق
تختبئين خلف اغصان الشجر وداخل أزهار الاوركيد والفيولا والياسمين
تنسدلين مع ثمار المانجو والبرتقال واليوسفي في حديقتنا الخلفية
تمرحين بين صفحات الروايات الرومانسية
تتقافزين بمرح بين نجمات السماء في ليال الصيف الرائقة
وتتسللين مع نسماتها العليلة فتمنحين الحياة ما تحتاجه من سلام وطمأنينة وحب
مدن ! من بين كل التعريفات الفلسفية للجمال فان اكثر تعريف مس قلبي هو ذلك الذي يقول " ان الجمال هو كل مالا يحتاج زيادة ولا يبتغي نقصان"
لا اذكر أين قرأته أومن قائله
ربما أكون قد صغته بنفسي فهتفت حين رأيتك
" مدن هي كل ما لايحتاج زيادة ولا يبتغي نقصان"
لكن رغم كل هذا تظل الكلمات عاجزة عن وصف فتنتك
ربما تكون حالة البلاهة التي تنتابني حين أكون في حضرتك هي أبلغ تعبيرعن سحرك
أعلم انك تتحرقين شوقا لمعرفة ما دار بيني وبين امينه يا مدن
لذا هيا نعود اليها
المزغودة كانت في منتهى السعادة ونحن في السيارة
حين وصلنا المدينة طلبت مني ادعوها على العشاء
أثناء العشاء طلبت مني ألا افاتح امها في شئ ثم قالت بأسى : سأتزوجه
لم أفهم و قلت بدهشة : لازم تستني لما تكبري عشان تختاري صح
ردت بتلقائية عجيبة : الفقرا ما بيختاروش ياسي وليد اللي بيتحط قادمهم بياخدوه .. انا اول مرة ف حياتي ادخل مطعم يا سي وليد !
ثم أكملت : امي واخواتي محتاجين الفلوس وهو كتر خيره قال انه هيتكفل بينا
قلت كممثل تلفزيوني فاشل : الفلوس مش كل حاجه
ابتمست وردت بسخرية خفيفة : لما تكون بتشوف اللحمه مرتين في السنة وتروح المدرسة مشي عشان مش معاك اجرة السكة وتقضي السنة بهدمتين ساعتها بتبقى الفلوس كل حاجه .. اوعى تكون مصدق ان مفيش حد بيبات من غير عشا ياسي وليد احنا ياما نمنا من غير عشا .. يلا بقى عشان امى هتقلق
في طريق العودة كنت شاردا افكر في حديث امينه
كيف لفتاة في عمرها أن تقول مثل هذ الكلام
هل اخطأت عندما كنت اعيرها روايات محفوظ وماركيز والبساطي أم أن المعاناة والفقر يصنعان الحكمة
قبل ان نصل قررت أن اكون ايجابيا والا استسلم لمنطقها الانهزامي فحدثتها عن  الامل والحلم والطموح والصبر
حدثتها عن اشياء كثيرة لا أؤمن بها فبدا كلامي باهتا وغير مقنع
لكنني في النهاية وعدتها أن ابحث لها عن عمل يوفر لها دخلا معقولا ويسمح لها بالاستمرار في الدراسة وتاجيل الزواج الى حين .. ووعدتني أن تقنع امها وتنتظر
فاتحت ابراهيم في الموضوع وانا اعطيه السيارة  فوعدني ان يمنحها فرصة في شركة والده
انا سعيد يا مدن  سعيد جدا
اولا لاقتراب عيد ميلادك وثانيا لنني استطعت ان اساعد امينه وانقذها
كنت اود الا تنتهى هذه الرسالة فقلما شعرت بهذه السعادة كما ان لدي الكثير من الاشياء لاحدثك عنها لكنني اخشى ان يصاب حضرة الباشا الضابط بالملل وانت تدركين العواقب الوخيمة لذلك
لذا دعينا نؤجل الحديث للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة التاسعة عشر : وليد حمدي اسرائيل


عزيزتي مدن
مساؤك سكر
لم تأتي أمينة المزغودة اليوم لمساعدة أمي كالمعتاد
الملعونة اختارت يوم إجازتي لأنها متأكدة أني سأعوض غيابها
أمينة لديها ذكاء فطري لافت أو فلنقل مكر لكن خفة ظلها المتناهية وقصر قامتها ونحافتها المرضية تقف حائلا بيني وبين كرهها او النفور منها
و برغم ميولها الشريرة الواضحة
الا اننا نكتفي ببعض المشاكسات التي غالبا ما تنتهي بفوزها تلك اللئيمة
اشفق من الان على المسكين الذي سيتزوجها
الام الروماتيزم تعوق امي عن القيام بأعباء البيت وحدها
المرض شئ شرير وقاسي بطبيعة الحال لكن امي كأي مريض ترى ان الروماتيزم هو أكثر الامراض قسوة في العالم
جربنا كل الاطباء والعلاجات لكن للأسف لايوجد علاج نهائي
قبل فترة نصحتها عجايب الغجرية ذات النظرات المخيفة باستخدام الحنضل قالت أن عليها أن تشوي ثمرة حنضل حتى تصير طرية ثم تقسمها نصفين وتربط النصفين الى كعبيها ولا تزيلهما الا بعد ان تشعر بمرارة الحنضل في حلقها
رفضت امي بحزم استخدام هذه الوصفة ولما الححت قالت بلهجة حزينة : هي العيشة ناقصة مرارة يا وليد طب ده انا من يوم ابوك الله يرحمه والمرارة ما بتفارقش حلقي شوفلي حاجه تانية يا بني الله يرضي عليك
تحسست حلقي وابتلعت لعابي بصعوبة وانا احاول تذوقه ولم اتجرأ على الالحاح عليها ثانية
ولكن لأن المرارة قدر فلما اشتد عليها الالم واتعبتها المسكنات هي التي طلبت الحنضل بنفسها
تحسنت حالتها بالفعل لكنني لم اتوقف عن الرهبة والنفور من عجايب الغجرية
كنت أترنح اثناء سيري ولا اقو على فتح عيني من أثر قلة النوم
أيقظتني امي في التاسعة وطلبت مني شراء إريال للغسيل من عم جلال البقال
ثم وانا على الباب قالت بصوت عالي : وهات بيبسي عشان البيبسي خلص
وصلت عم جلال وانا بين اليقظة والنوم وقلت له ساخرا : ستي بتقولك هات علبة اريال وازارة بيبسي كبيرة عشان البيبسي خلص
رد عم جلال ضاحكا : البيبسي خلص؟؟ الله يرحم أبوك وفين البت أمينه!
فقلت له : عيانه
أحضر عم جلال الاغراض ثم قال : ادخل تعالى اشرب شاي معايا عشان تصحصح
لاحظت رغبتة في الثرثرة فاستجبت له
مد يده بكوب الشاي الساخن
ثم بدأ يحكي
حكى لي حكايات كثيرة عن القرية وعن الماضي وعن البركة التي كانت تعشش في كل ركن من اركان البلد
ثم ضحك وهو يكرر كلامي قائلا : بقى البيبسي خلص ! طب وايه يعني ؟
ثم أخبرني أن محله آخر محل دخلته المياه الغازية في المنطقة وانه كان يرفض بشده دخولها لمحله ولما سألته لماذا قال بجدية انه لم يكن يبيع في محله سوى الاشياء المهمة والمفيدة
وانه اضطر لبيع البيبسي فقط بعدما فتحت هناء زوجة محمد أبو أمين الغفير بقالة في الجهة الاخرى من القرية واحضرت فيها الشيبسي والبيسبي وهذه الاشياء الغريبة وبدأت تسحب الزبائن منه ثمم تمتم ( بهايم )
أخبرني أيضا انه قديما لم تكن المياه الغازية تدخل البيوت الا في المناسبات الكبيرة وللضيوف المهمين أو في حالة اصابة أحد اهل البيت بمرض شديد
ثم حكى لي حكاية طريفة حدثت قديما مع الحاج أحمد الوكيل والد سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة أثناء شبابه
كان احمد الوكيل يعمل في شركة شحن في الاسكندرية ولا يأت البلد الا نادرا
وذات يوم اتصل به احد اخوته واخبره أن والده مريض جدا ويريد أن يراه فأتي على عجاله
ولما كان مقبلا على البيت لمح أخته الضغرى قادمة من الجهة الاخرى وتحمل في يدها زجاجة " بيبسي"
ففزع فزعا شديدا والقى حقيبته و هرول ناحية البيت هاتفا : يا ساتر يارب هي وصلت للكاكولا يابا
ذلك ان اهل قريتنا لم يكونوا يلجأوا للبيبسي الا اذا كان المرض متأخرا
ضحكت حتى كدت اسقط على الارض بعدما سمعت هذه الحكاية ثم قلت له : والله انت عسل يا عم جلال
لكن الغريب انه نظر الى بغضب ثم قال بحده : والله ما انت فاهم حاجه قوم قوم يا وليد تلاقي امك عايزة تغسل دلوقتي وبعدين ما ينفعش تسيب البيت من غير بيبسي كده
ارجو ان تكون حكاية احمد الوكيل قد عوضتك عن بعض كآبتي في الرسائل السابقة يا مدن وألا تكون أثارت شجونك كما حدث ما عم جلال
بالمناسبة كنت أفهم ما يرمي اليه عم جلال لكنني كنت أيضا في حاجه ملحة لأن أضحك
لم يعد في استطاعتي أن آخذ كل الامور على محمل الجد يا مدن
أصبح هذا امرا شاقا الى أقصى حد
سأحكي لك أيضا ماذا حدث بيني وبين امينة عندما مررت لأطمئن عليها اثناء عودتي من دكان عم جلال
لكن دعي هذا للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي