Social Icons

الرسالة الحادية والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
يقولون أن منتهى الشئ هو الحد الذي لايمكن للشئ أن يزيد بعده
وانت يامدن منتهى الحب ومنتهى الجمال ومنتهى الرقة ومنتهى الروعة ومنتهى الحياة
مدن ! ما رأيك؟
افكر منذ فترة في اعتناق الوجودية  على الرغم من انني لم افهم شيئا اطلاقا من رواية الغثيان لسارتر
" قوانين الاحتمالات تنطبق على البشر بصفة عامة كنوع اما فيما يخص الانسان الفرد فكل شئ قابل للحدوث"
اغوتني تلك الفكرة بجنون
سلبت لبي
قد يكون احتمال الاصابة بأمراض القلب في مصر هو عشرة بالمائة لكن لاشئ  اطلاقا يمنع أن اكون أنا أوحضرة الباشا الضابط ضمن هذه العشرة بالمائة
احمق من يظن الدنيا تمشي وفق خطة محكمة أو أن هناك قانونا يحكم أي شئ يا مدن
تتفوقين في الدراسة لكن ابن العميد هو الذي يتم اختياره كمعيد
تخلصين في عملك ثم يحصل على الترقية أشد زملاؤك قدرة على النفاق والانبطاح ولعق الاحذية
تتبعين التعليمات وتحافظين على النظام وتمشين بجانب الحائط ثم يأتي شاب أرعن مستهتر يحطم الحائط ويدهسك بسيارته ثم لا تتم محاسبته ولا حتى توبيخه لأنه من طبقة "انت مش عارف انا ابن مين"
لا شيء مضمون
البته
مثلنا كمثل ريشة "فورست جامب" تحملنا الريح في كل اتجاه وفي أي اتجاه ولا توجد وسيلة لمعرفة المكان أو الزمان الذي ستتركنا فيه
فكرة واقعية
ومخيفة يامدن
بالامس بعد صلاة المغرب كنت اقود دراجتي على الطريق بين قريتنا وبين المدينة
كان هناك رجلا اربعينيا يرتدي جلبابا يسير خلفي بدراجة تشبه دراجتي الى حد كبير
تخيلت انني سمعت رنين هاتفي فتوقفت لأتأكد .. لم أجد شيئا
سبقني الرجل ببضع خطوات
أتت سيارة مسرعة
صدمته
في الموضع الذي كان من المفترض ان اكون فيه تماما
طار في الهواء
هربت السيارة
سقط
بقعة دم هائلة تلتهم الاسفلت
وانا مذهول لا أصدق
بعد دقيقتين
توقفت سيارة قادمة من الاتجاه الاخر
نزل ركابها
اجتمع الناس
اعلنوا موت الرجل
وأنا مازلت مذهول.. لا اصدق
مات ؟! . . بهذه البساطة؟؟
هل كان على استعداد ؟؟ هل صلى ؟؟
ترى الى اين كان يتجه؟؟ هل كان يعلم انها رحلته الاخيرة؟؟
هل ودع أولاده كما يجب؟؟ هل شرح لزوجته الامر الذي كان يؤجله منذ شهور قبل أن يخرج؟؟
هل كان عليه أن يزور امه فور طلبها له و ألا يؤجلها للغد ؟ هل ادرك أنه كان احمقا حين قال لها " الدنيا ماطارتش"؟؟
هل صلى ؟
هل شغلته الاسئلة التي سيتلقى اجابتها ابتداء من هذه اللحظة؟
ماهي فكرته عن الزمن الان؟؟ هل قرأ لسارتر؟؟ هل سمع بنظرية الكوانتم؟؟
هل يدرك الفرق بين الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر؟
هل صلى صلي؟؟
هل احتفل بفوز الاهلي بالدوري ؟
هل قام بتنزيل نسخة الويندوز الجديدة؟
ماذا كان رأيه في مسلسلات رمضان الماضي؟
هل صلى ؟
كيف سيعلن احمد موسى وفاته؟؟ هل سيعتبره من المواطنين الشرفاء ويتظاهر بالحزن عليه؟؟
أم سيعتبره ارهابيا او طابورا خامسا يركب دراجته ويعرقل بها طريق السيارات التي تقود الشعب نحو التقدم والازدهار والهاوية؟
كيف تلقى خبر القبض على الراقصة برديس؟؟ هل اساءه توجيه تهمة التحريض على الرذيلة لها بدلا من توجيهها للحكومة؟
ما هي السبة التي قالها عندما سمع  تصريحات مدير كلية رؤساء الجمهورية ( الكلية الحربية سابقا)؟
هل صلى ؟
هل نظر في عيني السائق المتهور وهو في الهواء؟؟
هل تألم؟؟ لماذا لم يصرخ؟؟
بماذا كان يفكر اثناء سباحته في الهواء؟؟ هل شغله مصير دراجته؟ أولاده؟ عمله؟
جلبابه مرفوع الى صدره! هل كان يخشى عليه أن يتلوث بالدم؟؟
لم اقترب من الموت الى هذا الحد من قبل يا مدن
هذه المرة كان قريبا جدا مني
نظرت في فوهته المظلمة سحيقة العمق
وارتجفت
كان يحوم فوقي طول الوقت
كان يعلم انه سيقبض روحا ما في هذا الموقع. ترى هل ارتبك حينما وجد اننا اثنين في نفس المكان؟
اقترب مني . ترى هل بدأ بي أم بالرجل الاخر؟؟
صار في مواجهتي تماما . نظر في عيني بتفحص ثم نظر في اوراقه .  ترى كيف حسم الامر؟؟
هل هو الجلباب ؟؟ هل كان موضحا في اوراقه ان العميل يرتدي الجلباب ؟؟
هل هو السن؟؟ ألأنه كان أصلع؟؟
هل كان بالاوراق صورة للعميل ؟؟ ماذا لو لم تكن واضحة بما يكفي ؟؟
هل كنت أنا المقصود وانقذني رنين الهاتف المتوهم؟؟
هل تنقذ الاوهام الانسان ؟؟ هل ترديه؟؟
ألم أقل لك يا مدن
لا شئ مضمون
البته
مثلنا كمثل ريشة "فورست جامب" تحملنا الريح في كل اتجاه وفي أي اتجاه ولا توجد وسيلة لمعرفة المكان أو الزمان الذي ستتركنا فيه
لا شئ يسير وفق الخطة  أبدا
حتى هذه الرسالة لم تسر فيما كان مخططا لها
لم انجح في الحفاظ على معدل السعادة والرومانسية في رسائلي
لعل هذا يثبت ما قلته لك سابقا  من ان الحزن هو أكثر المشاعر التصاقا بالانسان واكثر الأحاسيس أصالة في الحياة وكل ماعداه هي مشاعر ثانوية مؤقته تظهر وتختفي بينما شجرة الحزن راسخة تضرب جذورها في اعماق الروح أصلها ثابت وفرعها في السماء
كل المشاعر سوى الحزن يامدن  كالزبد
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما الحزن فيمكث في الارض
سوف لن أعتذر هذه المرة عما جاء بالرسالة لا أريد أن اكون مبتذلا
المهم انك تتفهمين وتعذرين
يقول سارتر أن الجحيم هو الآخر
وأقول أنا أن الجحيم هو حضرة الباشا الضابط الذي يريدني ان اكتب رسائلي الى محبوبتي بطريقة تليق به هو
الى اللقاء يا مدن في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي