عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أتعلمين
كلما حاولت تغيير افتتاحية الرسالة لا أجد ما يليق بك فأعود مضطرا لنفس الافتتاحية
اليوم مثلا فكرت أكتب ( مساؤك كما تشائين ) لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة
أحيانا كثيرة لا يعرف المرء ما الذي يريده بالضبط؟ ماذا عليه أن يفعل تحديدا ؟
ما الذي يزعجه ؟ وما الذي يسعده ؟
أحيانا كثيرة لا تكون حرية الاختيار شيئا جيدا ويحتاج المرء لمن يأخذ بيده
يدله
يهديه
الاختيار هو ابتلاء البشر
نكبتهم
مأساتهم
وكان الانسان ظلوما جهولا
أتعلمين
مثلي ومثل الدنيا كشخص يلعب لعبة الكراسي الموسيقية
إن لم يجد كرسيا ليجلس عليه يحزن لانه خسر وخرج من اللعبة
وإن وجد كرسيا وجلس عليه يحزن أيضا لأن لاعبا آخر خسر وخرج من اللعبة
في رباعيات جاهين رباعية عبقرية تقول :
إيش تطلبي يا نفس فوق كل ده
حظك بيضحك و انتي متنكده
ردت قالت لي النفس : قول للبشر
ما يبصوليش بعيون حزينة كده
هذه الرباعية تلخص علاقتي بالدنيا
سارة
اشتقت لنظرتك المدهشة المندهشة كأنها ترى الاشياء للمرة الاولى
اشتقت لابتسامتك التي تجعلني
أذوب
وانصهر
واتبعثر
واتطاير
واتلاشى
وتجعلني أعيش
هل تدركين معنى أن تكونين سببا وحيدا وكافيا لاستمرار الحياة
إذن لماذا انت لست معي الآن؟
في الرابعة من فجر الجمعة الماضية استيقظت مفزوعا على صوت طرقات عنيفة ومتسارعة على الباب
كان عم "غنام"
ابنته الصغرى تشكو من ألم شديد بالبطن ويريد أن يأخذها للطبيب خشية أن تكون الزائدة
طلب مني مائتي جنيه حتى يحصد الأرض لأنه لا يملك سوى عشرين جنيها فأخبرته أني سأذهب معه
سألته هل احضر سياره إبراهيم فأخبرني ان ابنه وائل ايقظ صبحي وسيأتي معنا بسيارته
ركبت البنت وأمها في كابينة السيارة النصف نقل الأمامية وركبنا عم غنام ووائل وأنا في الصندوق الخلفي
عندما اخبرني أن وائل أيقظ صبحي وسيأتي معنا ظننت أنه يقصد صبحي أبو رضوان جاره المباشر لكنني فوجئت أنه صبحي الشناوي الذي يسكن في آخر القرية فسألته بصوت مرتفع لأتغلب على الضجيج الذي تحدثه السيارة : ليه مصحيتش صبحي ابو رضوان أقرب لك
فأجاب بانفعال : ده واد واطي مش بيشخ على ايد مجروح .. أني طالق له فارغة من زمان
التزمنا الصمت بقية الطريق
كنت أفكر فيك
وكان عم غنام يحدق في ابنته المريضه من خلال الزجاج الخلفي للسيارة
بينما وليد افترش أرضية السيارة وغط في نوم عميق
عم غنام هو المزارع الذي يزرع لنا أرضنا
ربما هو الوحيد في قريتنا الذي مازال يحافظ على نمط الحياة الريفي الأصيل
فهو مثلا ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ في الفجر
كما أن زوجته مازالت تخبز الخبز الفلاحي في الفرن البلدي
ذات مرة عندما أتي ليهدي امي بعض أرغفة الخبز الفلاحي الذي نحتاجه فقط من أجل "الفته" سألته لماذا مازلتم تصرون على الخبز الفلاحي فأخبرني انه لا يستسيغ الخبز الابيض البلاستيكي الذي نأكله
أهم ما يميز معيشته هو البساطة
يتغلب على نقص السيولة بحيل يعرفها جميع الفلاحون
فهو يشتري احتياجاته من عم جلال بالأجل ويدفع له مع كل محصول
ولان عرف الزراعة عندنا يقول أن المزارع يتحمل تكلفة الأيدي العاملة بينما يتحمل مالك الأرض بقية المصروفات من بذور وسماد وري وخلافه
فهو يتحايل على هذا بطريقة تعرف بـ ( المزاملة) حيث يعمل في أرض مزارعين آخرين بدون اجر مقابل أن يعملوا في أرضه أيضا بدون أجر وهكذا
عندما رغب وليد ابنه الاكبر في الزواج من ابنة عمه "فكرية" رفض عم غنام ورشح له ابنة خالتة "ميادة" وطلب مني أن اقنعه قائلا : أصل الواد بيعزك وهيسمع كلامك
ولما سألته عن السر وراء تفضيل ميادة على ابنة أخيه تعلل قائلا : البت ما تتعيبش الصراحة
بس دي ترباية بندر وبتحط احمر وأخضر
ديك النهار كانوا حدانا في الدار
وشافت الجاموسة والواد غريب بيبيتها قوم خافت منها
مش لوننا يا وليد عيلة مايصة كده
لكن ميادة بالصلاة على النبي
طالعة لامها
شاطرة وشايلة بيتهم من صغرها
وكمان بتعرف تحلب
ثم أضاف بنبرة ماكرة : احنا عايزين واحدة ايديها بايدينا يا يحي يا بني مش واحدة تفضل تقول عايزة وهاتلي وهي ما بتدخلش جنيه
وافق وليد
وقرر عم غنام ان يمنحه غرفه في البيت ولما اقترحت عليه ان يهدم حظيرة المواشي ويبني للولد غرفتين مكانهما ليحظى بالاستقلالية
أجابني بتلقائية وحسم : ماهو اني لو هديت الزريبة الواد هيلاقي الاستقلالالية دي بس مش هيلاقي ياكل
من يومها احتفظت باقتراحاتي لنفسي وادركت مدى الاختلاف بيننا
عم غنام رجل طيب
هادئ
عملي
بسيط
لا تفارق الابتسامة وجهه
وعندما يضع رأسه على الوسادة ينام من فوره
غير مبتلي بصفات الطبقة المتوسطة
لم تصبه لعنة الطموحات المجهضة والأحلام الموءودة
عم غنام ليس لديه أحلام من الأصل
لا يشغله لماذا خلق ؟ ولا ما الذي يفعله هنا ؟
لا يطرح عقله عليه أي أسئلة
الاسئلة يا مدن كائنات شريرة
تنهش الارواح وتصيبها بالقلق
والتوتر
والدوار
الاجابات ايضا ليست خيرة كما قد يتبادر لذهنك
الاجابات مخاتله
مخادعة
متلونة
وجبانه
مدن
عندما أبدا أي رسالة لك فانني لا تمنى ان تنتهي أبدا
لكنني مرهق
اشعر بارهاق شديد
واشتياق
وحب
واستأذنك أن نكمل كلامنا في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد
مساؤك سكر
أتعلمين
كلما حاولت تغيير افتتاحية الرسالة لا أجد ما يليق بك فأعود مضطرا لنفس الافتتاحية
اليوم مثلا فكرت أكتب ( مساؤك كما تشائين ) لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة
أحيانا كثيرة لا يعرف المرء ما الذي يريده بالضبط؟ ماذا عليه أن يفعل تحديدا ؟
ما الذي يزعجه ؟ وما الذي يسعده ؟
أحيانا كثيرة لا تكون حرية الاختيار شيئا جيدا ويحتاج المرء لمن يأخذ بيده
يدله
يهديه
الاختيار هو ابتلاء البشر
نكبتهم
مأساتهم
وكان الانسان ظلوما جهولا
أتعلمين
مثلي ومثل الدنيا كشخص يلعب لعبة الكراسي الموسيقية
إن لم يجد كرسيا ليجلس عليه يحزن لانه خسر وخرج من اللعبة
وإن وجد كرسيا وجلس عليه يحزن أيضا لأن لاعبا آخر خسر وخرج من اللعبة
في رباعيات جاهين رباعية عبقرية تقول :
إيش تطلبي يا نفس فوق كل ده
حظك بيضحك و انتي متنكده
ردت قالت لي النفس : قول للبشر
ما يبصوليش بعيون حزينة كده
هذه الرباعية تلخص علاقتي بالدنيا
سارة
اشتقت لنظرتك المدهشة المندهشة كأنها ترى الاشياء للمرة الاولى
اشتقت لابتسامتك التي تجعلني
أذوب
وانصهر
واتبعثر
واتطاير
واتلاشى
وتجعلني أعيش
هل تدركين معنى أن تكونين سببا وحيدا وكافيا لاستمرار الحياة
إذن لماذا انت لست معي الآن؟
في الرابعة من فجر الجمعة الماضية استيقظت مفزوعا على صوت طرقات عنيفة ومتسارعة على الباب
كان عم "غنام"
ابنته الصغرى تشكو من ألم شديد بالبطن ويريد أن يأخذها للطبيب خشية أن تكون الزائدة
طلب مني مائتي جنيه حتى يحصد الأرض لأنه لا يملك سوى عشرين جنيها فأخبرته أني سأذهب معه
سألته هل احضر سياره إبراهيم فأخبرني ان ابنه وائل ايقظ صبحي وسيأتي معنا بسيارته
ركبت البنت وأمها في كابينة السيارة النصف نقل الأمامية وركبنا عم غنام ووائل وأنا في الصندوق الخلفي
عندما اخبرني أن وائل أيقظ صبحي وسيأتي معنا ظننت أنه يقصد صبحي أبو رضوان جاره المباشر لكنني فوجئت أنه صبحي الشناوي الذي يسكن في آخر القرية فسألته بصوت مرتفع لأتغلب على الضجيج الذي تحدثه السيارة : ليه مصحيتش صبحي ابو رضوان أقرب لك
فأجاب بانفعال : ده واد واطي مش بيشخ على ايد مجروح .. أني طالق له فارغة من زمان
التزمنا الصمت بقية الطريق
كنت أفكر فيك
وكان عم غنام يحدق في ابنته المريضه من خلال الزجاج الخلفي للسيارة
بينما وليد افترش أرضية السيارة وغط في نوم عميق
عم غنام هو المزارع الذي يزرع لنا أرضنا
ربما هو الوحيد في قريتنا الذي مازال يحافظ على نمط الحياة الريفي الأصيل
فهو مثلا ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ في الفجر
كما أن زوجته مازالت تخبز الخبز الفلاحي في الفرن البلدي
ذات مرة عندما أتي ليهدي امي بعض أرغفة الخبز الفلاحي الذي نحتاجه فقط من أجل "الفته" سألته لماذا مازلتم تصرون على الخبز الفلاحي فأخبرني انه لا يستسيغ الخبز الابيض البلاستيكي الذي نأكله
أهم ما يميز معيشته هو البساطة
يتغلب على نقص السيولة بحيل يعرفها جميع الفلاحون
فهو يشتري احتياجاته من عم جلال بالأجل ويدفع له مع كل محصول
ولان عرف الزراعة عندنا يقول أن المزارع يتحمل تكلفة الأيدي العاملة بينما يتحمل مالك الأرض بقية المصروفات من بذور وسماد وري وخلافه
فهو يتحايل على هذا بطريقة تعرف بـ ( المزاملة) حيث يعمل في أرض مزارعين آخرين بدون اجر مقابل أن يعملوا في أرضه أيضا بدون أجر وهكذا
عندما رغب وليد ابنه الاكبر في الزواج من ابنة عمه "فكرية" رفض عم غنام ورشح له ابنة خالتة "ميادة" وطلب مني أن اقنعه قائلا : أصل الواد بيعزك وهيسمع كلامك
ولما سألته عن السر وراء تفضيل ميادة على ابنة أخيه تعلل قائلا : البت ما تتعيبش الصراحة
بس دي ترباية بندر وبتحط احمر وأخضر
ديك النهار كانوا حدانا في الدار
وشافت الجاموسة والواد غريب بيبيتها قوم خافت منها
مش لوننا يا وليد عيلة مايصة كده
لكن ميادة بالصلاة على النبي
طالعة لامها
شاطرة وشايلة بيتهم من صغرها
وكمان بتعرف تحلب
ثم أضاف بنبرة ماكرة : احنا عايزين واحدة ايديها بايدينا يا يحي يا بني مش واحدة تفضل تقول عايزة وهاتلي وهي ما بتدخلش جنيه
وافق وليد
وقرر عم غنام ان يمنحه غرفه في البيت ولما اقترحت عليه ان يهدم حظيرة المواشي ويبني للولد غرفتين مكانهما ليحظى بالاستقلالية
أجابني بتلقائية وحسم : ماهو اني لو هديت الزريبة الواد هيلاقي الاستقلالالية دي بس مش هيلاقي ياكل
من يومها احتفظت باقتراحاتي لنفسي وادركت مدى الاختلاف بيننا
عم غنام رجل طيب
هادئ
عملي
بسيط
لا تفارق الابتسامة وجهه
وعندما يضع رأسه على الوسادة ينام من فوره
غير مبتلي بصفات الطبقة المتوسطة
لم تصبه لعنة الطموحات المجهضة والأحلام الموءودة
عم غنام ليس لديه أحلام من الأصل
لا يشغله لماذا خلق ؟ ولا ما الذي يفعله هنا ؟
لا يطرح عقله عليه أي أسئلة
الاسئلة يا مدن كائنات شريرة
تنهش الارواح وتصيبها بالقلق
والتوتر
والدوار
الاجابات ايضا ليست خيرة كما قد يتبادر لذهنك
الاجابات مخاتله
مخادعة
متلونة
وجبانه
مدن
عندما أبدا أي رسالة لك فانني لا تمنى ان تنتهي أبدا
لكنني مرهق
اشعر بارهاق شديد
واشتياق
وحب
واستأذنك أن نكمل كلامنا في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد