عزيزتي مدن
مساؤك سكر
لم تأتي أمينة المزغودة اليوم لمساعدة أمي كالمعتاد
الملعونة اختارت يوم إجازتي لأنها متأكدة أني سأعوض غيابها
أمينة لديها ذكاء فطري لافت أو فلنقل مكر لكن خفة ظلها المتناهية وقصر قامتها ونحافتها المرضية تقف حائلا بيني وبين كرهها او النفور منها
و برغم ميولها الشريرة الواضحة
الا اننا نكتفي ببعض المشاكسات التي غالبا ما تنتهي بفوزها تلك اللئيمة
اشفق من الان على المسكين الذي سيتزوجها
الام الروماتيزم تعوق امي عن القيام بأعباء البيت وحدها
المرض شئ شرير وقاسي بطبيعة الحال لكن امي كأي مريض ترى ان الروماتيزم هو أكثر الامراض قسوة في العالم
جربنا كل الاطباء والعلاجات لكن للأسف لايوجد علاج نهائي
قبل فترة نصحتها عجايب الغجرية ذات النظرات المخيفة باستخدام الحنضل قالت أن عليها أن تشوي ثمرة حنضل حتى تصير طرية ثم تقسمها نصفين وتربط النصفين الى كعبيها ولا تزيلهما الا بعد ان تشعر بمرارة الحنضل في حلقها
رفضت امي بحزم استخدام هذه الوصفة ولما الححت قالت بلهجة حزينة : هي العيشة ناقصة مرارة يا وليد طب ده انا من يوم ابوك الله يرحمه والمرارة ما بتفارقش حلقي شوفلي حاجه تانية يا بني الله يرضي عليك
تحسست حلقي وابتلعت لعابي بصعوبة وانا احاول تذوقه ولم اتجرأ على الالحاح عليها ثانية
ولكن لأن المرارة قدر فلما اشتد عليها الالم واتعبتها المسكنات هي التي طلبت الحنضل بنفسها
تحسنت حالتها بالفعل لكنني لم اتوقف عن الرهبة والنفور من عجايب الغجرية
كنت أترنح اثناء سيري ولا اقو على فتح عيني من أثر قلة النوم
أيقظتني امي في التاسعة وطلبت مني شراء إريال للغسيل من عم جلال البقال
ثم وانا على الباب قالت بصوت عالي : وهات بيبسي عشان البيبسي خلص
وصلت عم جلال وانا بين اليقظة والنوم وقلت له ساخرا : ستي بتقولك هات علبة اريال وازارة بيبسي كبيرة عشان البيبسي خلص
رد عم جلال ضاحكا : البيبسي خلص؟؟ الله يرحم أبوك وفين البت أمينه!
فقلت له : عيانه
أحضر عم جلال الاغراض ثم قال : ادخل تعالى اشرب شاي معايا عشان تصحصح
لاحظت رغبتة في الثرثرة فاستجبت له
مد يده بكوب الشاي الساخن
ثم بدأ يحكي
حكى لي حكايات كثيرة عن القرية وعن الماضي وعن البركة التي كانت تعشش في كل ركن من اركان البلد
ثم ضحك وهو يكرر كلامي قائلا : بقى البيبسي خلص ! طب وايه يعني ؟
ثم أخبرني أن محله آخر محل دخلته المياه الغازية في المنطقة وانه كان يرفض بشده دخولها لمحله ولما سألته لماذا قال بجدية انه لم يكن يبيع في محله سوى الاشياء المهمة والمفيدة
وانه اضطر لبيع البيبسي فقط بعدما فتحت هناء زوجة محمد أبو أمين الغفير بقالة في الجهة الاخرى من القرية واحضرت فيها الشيبسي والبيسبي وهذه الاشياء الغريبة وبدأت تسحب الزبائن منه ثمم تمتم ( بهايم )
أخبرني أيضا انه قديما لم تكن المياه الغازية تدخل البيوت الا في المناسبات الكبيرة وللضيوف المهمين أو في حالة اصابة أحد اهل البيت بمرض شديد
ثم حكى لي حكاية طريفة حدثت قديما مع الحاج أحمد الوكيل والد سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة أثناء شبابه
كان احمد الوكيل يعمل في شركة شحن في الاسكندرية ولا يأت البلد الا نادرا
وذات يوم اتصل به احد اخوته واخبره أن والده مريض جدا ويريد أن يراه فأتي على عجاله
ولما كان مقبلا على البيت لمح أخته الضغرى قادمة من الجهة الاخرى وتحمل في يدها زجاجة " بيبسي"
ففزع فزعا شديدا والقى حقيبته و هرول ناحية البيت هاتفا : يا ساتر يارب هي وصلت للكاكولا يابا
ذلك ان اهل قريتنا لم يكونوا يلجأوا للبيبسي الا اذا كان المرض متأخرا
ضحكت حتى كدت اسقط على الارض بعدما سمعت هذه الحكاية ثم قلت له : والله انت عسل يا عم جلال
لكن الغريب انه نظر الى بغضب ثم قال بحده : والله ما انت فاهم حاجه قوم قوم يا وليد تلاقي امك عايزة تغسل دلوقتي وبعدين ما ينفعش تسيب البيت من غير بيبسي كده
ارجو ان تكون حكاية احمد الوكيل قد عوضتك عن بعض كآبتي في الرسائل السابقة يا مدن وألا تكون أثارت شجونك كما حدث ما عم جلال
بالمناسبة كنت أفهم ما يرمي اليه عم جلال لكنني كنت أيضا في حاجه ملحة لأن أضحك
لم يعد في استطاعتي أن آخذ كل الامور على محمل الجد يا مدن
أصبح هذا امرا شاقا الى أقصى حد
سأحكي لك أيضا ماذا حدث بيني وبين امينة عندما مررت لأطمئن عليها اثناء عودتي من دكان عم جلال
لكن دعي هذا للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد