عزيزتي مدن
مساءك سكر
ها أنا أعود من جديد
ربما أتجرأ واقول ان هناك ما يجعل رسائلي إليكي مميزة يا مدن
إنه الصدق
دوما كانت كلماتي إليك صادقة صدق الدم الطازج ينزف من جرح عميق
كتابتها كانت دوما بديلا وحيدا عن الانهيار
على سيرة الصدق يجب أن أخبرك أن العبارة السابقة ليست لي ولكنها للأديب الجميل الاستاذ علاء الديب
كتبها في مقدمة سيرته الذاتية التي وضعها في نهاية الكتاب !
تسحرني كتابات علاء الديب يا مدن
كتاباته الصادقة جدا جدا حد الوجع
الابطال الذين يعانون من الحيرة والقلق والمثالية والخذلان
احداث الروايات المفعمة بالمشاعر والحزن الشفيف الوقور والالم
كل هذه الاشياء تأسرني وتسلب لبي
البعض يعيب على الرجل جرعة الحزن والكآبة الزائدة التي تميز كتاباته
لكني اعذره واستغرب كيف يعتبون على رجل يكتب بهذا القدر من الصدق
رجل يكتب بروحه وقلبه وأعصابه وأوردته
أعذره وافهمه
واحبه
أرى فيه وفي أبطاله الذين يودعهم جزء من روحه شبها كبيرا من أبي
الرجل المثقف المثالي اللماح
عينه مدربه على التقاط ادق التفاصيل وادراك التناقضات
يئن تحت وطأة قيمه ومبادئه في مجتمع لا يعترف باي قيم أو مثل عليا
يحمل ضميرا يقظا حساسا جعله يترفع عن خوض المعارك اليومية من اجل أشياء لا معنى لها ولا جدوى منها فيجد نفسه وحيدا وغريبا ليس له مكان في هذا العالم المصاب بالسعار والشراهة والنهم
يدرك أن الدنيا .. دنيا .. فيقرر اعتزالها
تقتله الاسئلة الكبرى التي تزيدها الاجابات تعقيدا
يمارس الكتابة بحثا عن ذاته ومعنى الوجود من حوله فتأتي كتاباته مثله
قلقه .. حيرانه .. حزينة .. لكنه ليس الحزن الزاعق المنفر
بل حزنا رقيقا شفيفا يزيده انسانية وألقا
هذا هو أبي
وهذا هو علاء الديب وأبطال رواياته
المثقف البرجوازي المبتلى بصفات الطبقة المتوسطة
الحالم الرومانسي الذي تحطمت احلامه
لأسباب لا دخل له بها
فلاذ بالحزن والكتابه
ويستكثر عليه البعض أن يبعثر نفسه على الورق ويمارس بعض البوح
عله يجد فيه يوما بعض السلوى والعزاء
مدَن . . لا مزيد من المراوغة
أنا أيضا حزين
والحزن كالحب لا يحتاج لأسباب
أرجوك لا تفعلي مثل أمي وتعددي لي أسباب السعادة والنعم التي حباني الله بها فأنا أحفظها أكثر من أي شخص آخر وأحمد الله عليها كثيرا
لكني رغم كل هذا حزين !
في البدء كان الحزن يا مدن ثم أتت بعده جميع المشاعر
وهو رغم قسوته إلا ان المرء لا يملك سوى أن يحترمه ويوقره
تتلاشى الكلمات من رأسي كـ ( لا أجد تشبيه مناسب)
لا أدري ما هذه اللعنة التي أصابتني
عجز تام عن الكتابة
وكلما فكرت في الامر تعقد أكثر
وكلما أرغمت نفسي على الكتابة تأتي الكلمات
ركيكة
ملفقة
منزوعة المعنى كأنها نقوش وطلاسم
قبل أسبوع كنا في جنازة أحدهم
- يالسخافتي اللواء حامد عبد الرازق الذي كانت تهتز له المحافظة كلها يصبح أحدهم –
هل هي سخافتي أم سخافة الموت ؟
الموت!
لم يعد للموت جلال
أصبح كأعراض البرد والصداع
لم تعد زيارته مفجعة أو مربكة
اصبحنا ننظر له باعتياد بينما نمارس طقوس حياتنا العادية
نتناول العشاء أو نشاهد فيلمنا المفضل
ثم دفعا للملل أثناء انتظار الشاي أو في الفواصل الاعلانية
نتبادل الانباء عن عدد القتلى الذي سقطوا اليوم
أعجز باستمرار عن إدراك الموت بشكل كامل
كلما تفكرت فيه تتشكل صورته في ذهني تدريجيا على هيئة قطع من البازل تتجمع حول بعضها وقبيل اكتمال الصورة تنهار فجأة مخلفة في ذهني صورة ضبابية غير واضحة
أحيانا تقف شدة الوضوح والقرب عائقا أمام جلاء الرؤية
أقول هذا لنفسي وأكف عن التفكير
الاستسلام هو الحل
اللاحل هو الحل
في المقابر أتأمل الحفرة على يساري
قبر جديد فاغر فاه في انتظار وجبته القادمة
يالله
كل هذا الصراع والحروب واللهاث والعدو والاحتقان والتوتر والقلق والمشاحنات والتدافع من اجل هذه الحفرة!
يمنحني التفكير في الموت بعض الرضا!
لكنه لا يمحو الحزن
أحمل حزني على عاتقي وأجوب دروب الحياة راضيا وقانعا ومرددا : أنا إنسان وأعيش في هذا العصر لا حل لذلك
لقد خيرني الله منذ الأزل وقد اخترت وعلي أن أتحمل مسؤلية اختياري
صحيح أنني لا أتذكر هذا الموقف لكن الله يقول أنه حدث وأنا أصدق الله
أتدرين
أنا أرى أن جوهر سردية الايمان أن يتبقى من السردية جزء غامض وغير منطقي وغير مقنع ومع ذلك يصدقه المرء فقط لأن الله أخبره به
لا حجج ولا أسباب ولا مقدمات منطقية
فقط الله
أنا لم أجد الله بعقلي
بل أجده بداخلي
أجده في عشقي لك
في حسنك الملائكي
في ضحكات الأطفال
في رائحة الارض بعد المطر
في شقشقة الفجر
في تلك النظرة التي أهدتني الوجود ذات حب
أتذكرينها ؟!
أنا أذكرها
أنا لا أنساها
أو بالأحرى لا أستطيع نسيانها
كل همسة
كل التفاته
كل نظرة
كل مادار بيننا يسكن أعماقي ويختبئ في تفاصيل حياتي
هو فقط يتحين اللحظة المناسبة كي يطفو من جديد
رنين الهاتف
أغاني منير
قميصي الكحلي
أذان الفجر
أيا من هذه الاشياء يكفي كي تشتعل اللهفة
كي تنبعث الذكري كعملاق هائل يسد أمامي جميع الدروب ولا يترك لي سوى درب الحنين
أنا لا أقوى على النسيان يا مدن
ولا أريده
أريد فقط إجابة وحيدة على هذا السؤال
لما أنت لست معي الآن؟
فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد