عزيزتي مدن
أرجو من كل قلبي أن تكوني بخير عندما تصلك هذه الرسالة وبعد أن تصلك وفي كل وقت
لايعرف الموت على حقيقته يا مدن الا الذين وقفوا على حافته
اسرى الحروب
الناجون من المذابح
الذين فقدوا أحبتهم
الشعراء
والمغتربين
ذهبت للسلام على عماد اليوم
عندما جاء الشاي امسكت السكرية وهممت بوضع ملعقتا السكر في كوبه لكنه امسك يدي برفق وقال متحرجا : أصبحت أشربه بدون سكر
ثم اطرق الى الارض وساد صمت ثقيل
أين الكلام الذي لم يكن ينقطع طوال جلستنا سويا
أين الذكريات والضحكات البريئات
ماذا فعلت الغربة بصديقي
قبل عشر سنوات عندما ودعته باكيا كأم ثكلى في مطار القاهرة لم أكن أتوقع أن مثل هذه اللحظة ستمر علينا
كنا نتواصل يوميا تقريبا في الشهور الاولى وبعدها تباعدت الاتصالات
قبل أن يكمل العام توفى والده فزاد تواصلنا من جديد
في أجازته الاولى بعد حادثة الوفاة بستة أشهر لمحت ذلك الانكسار في نظرة عينيه فعرفت أنني في طريقي لأفقده
في بداية الصيام بعد اجازته لم يتصل احدنا بالآخر
وفي العيد أرسل لي رسالة نصية جاهزة فعرفت أن أمر الله قد نفد
لم أراه أو اسمع صوته بعدها سوى مرتين أو ثلاث
وها نحن اليوم نجلس كغرباء التقيا في قطار
- أعلم ما تفكر فيه
أنتشلني من شرودي بهذه الجملة
ثم اضاف بعينين مغرورقتين بالدموع وابتسامة واهنة بها أثر من عماد القديم : نعم
تغيرت
عماد الذي عاد اليوم ليس هو عماد صديقك الذي سافر قبل سنوات عشر
سحقتني الغربة يا وليد
وسقطت بعد وفاة أبي .. ميتا
ثم بدأ يحكي عن وفاة والده لأول مرة منذ توفى
..... .....................................
عندما يتم ابلاغك برحيل والدك وانت في الغربة
وحيد
مكبل
عاجز
فان عقلك لا يستوعب الامر ولا يستطيع ادراكه
تظن ان هناك خدعة ما
اشاعة شريرة اطلقها شخص مستهتر
فقرة سخيفة في برنامج مقالب سمج
كابوس متقن
اي شيء
أي شيء سوی انه رحل بالفعل
لا تستوعب ان ينقل اليك خبر رحيله هكذا كما تنقل اخبار الرياضة والطقس لا فرق سوی في بضعة كلمات وحروف
الآلية التي يحول بها العقل الكلمات والصور الی معان مفهومة يصيبها عطب او خلل
تسمع كلمات مثل
رحيل
عزاء
جنازة
دفن
تشعر انك سمعتها من قبل
لكن عقلك يفشل في معرفة معناها وفي الاستجابة لها
وفي تحديد رد الفعل المناسب علیها
ماذا علي ان افعل الان؟
ابكي مثلا؟؟
اصرخ؟؟
القي بنفسي من النافذة ؟؟
الشيء الوحيد الذي يستطيع العقل استيعابه انه اذا رحل الاب فان الابن الاكبر لابد ان يكون بجواره
يصلي عليه
يمشي في جنازته
يقف علی قبره
ويتلقی عزاؤه
وجودك في اي مكان اخر يا وليد هو شيء لا يستوعبه العقل ولا يستطيع التعامل معه
انفصل عن الدنيا تماما
اراقب المشهد كأني مجرد مشاهد خارجه
مشهد سينمائي مصور من زاوية رأسية
اراني علی الكرسي الموجود في مدخل الغرفة
علی يميني يجلس علی الارض زميلي وائل
وامامي جاري هاني
وعلی السرير الی يساري ثالث لا اتبين ملامحه
الثلاثة عيونهم محتقنه متورمة
وانا
تمثال شمع بملامح بليدة محايدة بلا حياة
اری شفاههم تنحرك كأنهم يتكلمون
ثم تتحرك شفتي ايضا
لكنني لا اسمع شئ
امسك الجوال
انظر الی شاشته
ثم اضعه بجواري
يقول احمد شيئا فامسكه مرة اخری واضعه علی اذني
لابد ان احدهم يتصل
تحدثت مع اشخاص عديدين لا اذكرهم ولا اذكر ماذا قلنا
كانت المرة الاولی التي اعرف فيها ان العقل يمكن ان يتوقف عن التفكير
كان الامر اشبه بانقطاع الارسال عن التلفاز في الماضي
حيث تظهر علی الشاشة ملايين النقاط السوداء والرمادية المضطربة ويصدر الجهاز صوت مزعج رتيب
ششششششششششششششششششش
في الصباح عاد الارسال ضعيفا
غسلت وجهي وصليت صلاة لشخص لا أعرف من هو لكنه ليس أبي بالتأكيد
بعد ساعتين جاءني اتصال منك
أخبرتني أن كل شئ تم على ما يرام ( على ما يرام ؟!الم تجد عبارة أخرى غير هذه يا وليد ؟!)
ثم قلت بلهجة صادقة : كلنا حوله ومعه .. اطمئن
أطمئن؟؟!!!
بدت المكالمة كلها بلامعنى بالنسبة لي
"كلنا معه" ماذا تعني هذه العبارة وماذا عساي ان افعل عندما اسمعها
هل من المفترض أن أهدأ لأنكم كلكم معه و وانا هنا وحدي
هل يجب أن احضر مدفعا رشاشا واقتلكم جميعا
هل ينبغي ان اطردكم واطلب منكم ان تتركوه وحده لأنه لا يحق لأحد أن يكون معه طالما هذا الاحد ليس أنا
وانقطع الارسال مرة اخرى
ششششششششششش
وظل الامر هكذا
تارة يعود الارسال وتارة ينقطع
لكنني لم أصدق أبدا أنه رحل
كان ثمة هاجس يحدثني ان هناك شخص شرير سيظهر فجأة ويقول لي بسماجه : كنا نمزح .. سامحنا
وكنت على استعداد أن اسامحه
شريطه أن يمنحني فرصه
اخيرة
لارتمى في حضن أبي
لألثم كفه الاسمر المعروق
وامنحه عناق طويييييييلا يليق أن يكون العناق الاخير
عندما دخلت البيت في اجازتي الاولى
لم يكن أبي في استقبالي
لم يجلس معنا للغداء
كانت غرفته مغلقة فقلت لابد أنه نائم
أو ربما كان في زيارة لأحد الاصدقاء
بعد الغداء أتيت انت يا وليد
كنت تعرف ما أفكر فيه فاصطحبتني الى هناك
وعندما رأيت المقبرة التي كتب على شاهدها " المرحوم / سعد المصري
أدركت ما حدث
أدركت أنه لن يطلب مني ثانية أن الصق له لصقه آلام الظهر
لن يأمرني بخفض صوت المذياع لأنه يريد أن يقرأ
لن يهديني وردة جديدة بدلا من تلك التي ذبلت
لن يطلب احتضاني ولو لمرة وحيدة . . أخيرة
مهما أردت ذلك
أدركت أن علي ان اكمل بقية ايامي هكذا
وحيدا
ومقسوما
وعاريا
أدركت كل هذا فبكيت يا وليد
بكيت للمرة الاولى بعد مائة وثمانون يوما من رحيله
سامحني يا وليد ثمانية أعوام وانا انتظر هذا اللقاء فأنا لم أكن لأحكي هذا الكلام ألا لك
......................
انتهى كلامه وسبح في هواء الغرفة المكيفة صمتا ثقيلا وكثيرا من الدموع
سامحيني انت أيضا يا مدن
سامحني يا حضرة الضابط
لم اتحمل أن اتجرع هذه المرارة وحدي
في الرسالة القادمة يا حبيبتي سأحكي لك عما دار بيننا ونحن نتمشى في طرقات القرية الضيقة محاولين استنقاذ بعض الذكريات من براثن الزمن
المخلص لك دائما
وليد
أرجو من كل قلبي أن تكوني بخير عندما تصلك هذه الرسالة وبعد أن تصلك وفي كل وقت
لايعرف الموت على حقيقته يا مدن الا الذين وقفوا على حافته
اسرى الحروب
الناجون من المذابح
الذين فقدوا أحبتهم
الشعراء
والمغتربين
ذهبت للسلام على عماد اليوم
عندما جاء الشاي امسكت السكرية وهممت بوضع ملعقتا السكر في كوبه لكنه امسك يدي برفق وقال متحرجا : أصبحت أشربه بدون سكر
ثم اطرق الى الارض وساد صمت ثقيل
أين الكلام الذي لم يكن ينقطع طوال جلستنا سويا
أين الذكريات والضحكات البريئات
ماذا فعلت الغربة بصديقي
قبل عشر سنوات عندما ودعته باكيا كأم ثكلى في مطار القاهرة لم أكن أتوقع أن مثل هذه اللحظة ستمر علينا
كنا نتواصل يوميا تقريبا في الشهور الاولى وبعدها تباعدت الاتصالات
قبل أن يكمل العام توفى والده فزاد تواصلنا من جديد
في أجازته الاولى بعد حادثة الوفاة بستة أشهر لمحت ذلك الانكسار في نظرة عينيه فعرفت أنني في طريقي لأفقده
في بداية الصيام بعد اجازته لم يتصل احدنا بالآخر
وفي العيد أرسل لي رسالة نصية جاهزة فعرفت أن أمر الله قد نفد
لم أراه أو اسمع صوته بعدها سوى مرتين أو ثلاث
وها نحن اليوم نجلس كغرباء التقيا في قطار
- أعلم ما تفكر فيه
أنتشلني من شرودي بهذه الجملة
ثم اضاف بعينين مغرورقتين بالدموع وابتسامة واهنة بها أثر من عماد القديم : نعم
تغيرت
عماد الذي عاد اليوم ليس هو عماد صديقك الذي سافر قبل سنوات عشر
سحقتني الغربة يا وليد
وسقطت بعد وفاة أبي .. ميتا
ثم بدأ يحكي عن وفاة والده لأول مرة منذ توفى
..... .....................................
عندما يتم ابلاغك برحيل والدك وانت في الغربة
وحيد
مكبل
عاجز
فان عقلك لا يستوعب الامر ولا يستطيع ادراكه
تظن ان هناك خدعة ما
اشاعة شريرة اطلقها شخص مستهتر
فقرة سخيفة في برنامج مقالب سمج
كابوس متقن
اي شيء
أي شيء سوی انه رحل بالفعل
لا تستوعب ان ينقل اليك خبر رحيله هكذا كما تنقل اخبار الرياضة والطقس لا فرق سوی في بضعة كلمات وحروف
الآلية التي يحول بها العقل الكلمات والصور الی معان مفهومة يصيبها عطب او خلل
تسمع كلمات مثل
رحيل
عزاء
جنازة
دفن
تشعر انك سمعتها من قبل
لكن عقلك يفشل في معرفة معناها وفي الاستجابة لها
وفي تحديد رد الفعل المناسب علیها
ماذا علي ان افعل الان؟
ابكي مثلا؟؟
اصرخ؟؟
القي بنفسي من النافذة ؟؟
الشيء الوحيد الذي يستطيع العقل استيعابه انه اذا رحل الاب فان الابن الاكبر لابد ان يكون بجواره
يصلي عليه
يمشي في جنازته
يقف علی قبره
ويتلقی عزاؤه
وجودك في اي مكان اخر يا وليد هو شيء لا يستوعبه العقل ولا يستطيع التعامل معه
انفصل عن الدنيا تماما
اراقب المشهد كأني مجرد مشاهد خارجه
مشهد سينمائي مصور من زاوية رأسية
اراني علی الكرسي الموجود في مدخل الغرفة
علی يميني يجلس علی الارض زميلي وائل
وامامي جاري هاني
وعلی السرير الی يساري ثالث لا اتبين ملامحه
الثلاثة عيونهم محتقنه متورمة
وانا
تمثال شمع بملامح بليدة محايدة بلا حياة
اری شفاههم تنحرك كأنهم يتكلمون
ثم تتحرك شفتي ايضا
لكنني لا اسمع شئ
امسك الجوال
انظر الی شاشته
ثم اضعه بجواري
يقول احمد شيئا فامسكه مرة اخری واضعه علی اذني
لابد ان احدهم يتصل
تحدثت مع اشخاص عديدين لا اذكرهم ولا اذكر ماذا قلنا
كانت المرة الاولی التي اعرف فيها ان العقل يمكن ان يتوقف عن التفكير
كان الامر اشبه بانقطاع الارسال عن التلفاز في الماضي
حيث تظهر علی الشاشة ملايين النقاط السوداء والرمادية المضطربة ويصدر الجهاز صوت مزعج رتيب
ششششششششششششششششششش
في الصباح عاد الارسال ضعيفا
غسلت وجهي وصليت صلاة لشخص لا أعرف من هو لكنه ليس أبي بالتأكيد
بعد ساعتين جاءني اتصال منك
أخبرتني أن كل شئ تم على ما يرام ( على ما يرام ؟!الم تجد عبارة أخرى غير هذه يا وليد ؟!)
ثم قلت بلهجة صادقة : كلنا حوله ومعه .. اطمئن
أطمئن؟؟!!!
بدت المكالمة كلها بلامعنى بالنسبة لي
"كلنا معه" ماذا تعني هذه العبارة وماذا عساي ان افعل عندما اسمعها
هل من المفترض أن أهدأ لأنكم كلكم معه و وانا هنا وحدي
هل يجب أن احضر مدفعا رشاشا واقتلكم جميعا
هل ينبغي ان اطردكم واطلب منكم ان تتركوه وحده لأنه لا يحق لأحد أن يكون معه طالما هذا الاحد ليس أنا
وانقطع الارسال مرة اخرى
ششششششششششش
وظل الامر هكذا
تارة يعود الارسال وتارة ينقطع
لكنني لم أصدق أبدا أنه رحل
كان ثمة هاجس يحدثني ان هناك شخص شرير سيظهر فجأة ويقول لي بسماجه : كنا نمزح .. سامحنا
وكنت على استعداد أن اسامحه
شريطه أن يمنحني فرصه
اخيرة
لارتمى في حضن أبي
لألثم كفه الاسمر المعروق
وامنحه عناق طويييييييلا يليق أن يكون العناق الاخير
عندما دخلت البيت في اجازتي الاولى
لم يكن أبي في استقبالي
لم يجلس معنا للغداء
كانت غرفته مغلقة فقلت لابد أنه نائم
أو ربما كان في زيارة لأحد الاصدقاء
بعد الغداء أتيت انت يا وليد
كنت تعرف ما أفكر فيه فاصطحبتني الى هناك
وعندما رأيت المقبرة التي كتب على شاهدها " المرحوم / سعد المصري
أدركت ما حدث
أدركت أنه لن يطلب مني ثانية أن الصق له لصقه آلام الظهر
لن يأمرني بخفض صوت المذياع لأنه يريد أن يقرأ
لن يهديني وردة جديدة بدلا من تلك التي ذبلت
لن يطلب احتضاني ولو لمرة وحيدة . . أخيرة
مهما أردت ذلك
أدركت أن علي ان اكمل بقية ايامي هكذا
وحيدا
ومقسوما
وعاريا
أدركت كل هذا فبكيت يا وليد
بكيت للمرة الاولى بعد مائة وثمانون يوما من رحيله
سامحني يا وليد ثمانية أعوام وانا انتظر هذا اللقاء فأنا لم أكن لأحكي هذا الكلام ألا لك
......................
انتهى كلامه وسبح في هواء الغرفة المكيفة صمتا ثقيلا وكثيرا من الدموع
سامحيني انت أيضا يا مدن
سامحني يا حضرة الضابط
لم اتحمل أن اتجرع هذه المرارة وحدي
في الرسالة القادمة يا حبيبتي سأحكي لك عما دار بيننا ونحن نتمشى في طرقات القرية الضيقة محاولين استنقاذ بعض الذكريات من براثن الزمن
المخلص لك دائما
وليد