Social Icons

الرسالة الاربعون :وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
لو كنت معي الآن ! كي أتوكأ عليك وأهش بك على ما تبقى من أحلامي قبل أن تتلاشى كليا
انا متعب يامدن
منهك
انهكني اللهاث خلف حب لا وجود له سوى في رسائل بلا صدى
وانهكتني الحياة في عالم لا هم له سوى ان يهدم كل ما نؤمن به
انظر الى عمري بتمعن فأكتشف انه كان عبارة عن مسيرة ممتدة من اللاشئ
كل ما تربينا عليه من قيم  ليست أكثر من مجرد هراء وترهات لا وجود لها سوى في الكتب المدرسية وافواه الاباء والامهات
زملاء العمل يكرهون المدير الجديد لأنه يدقق على الحضور والانصراف في حين أنهم يشعرون بالملل إذا قضوا الساعات الست بأكملها في العمل ولذلك رفعوا شكوى لوكيل الوزارة يطالبون بنقل المدير وزيادة رواتبهم
صديقي الذي كان يغسل يديه قبل الاكل وبعده  أصيب بفشل كلوي  ووالده الذي يدخن ثلاثين سيجارة في اليوم هو الذي يحمله الى المستشفى اسبوعيا
وعم غنام تلقى خبر وفاة  ابنه المجند في سيناء بينما كان عم غنام نفسه يرقص على أنغام تسلم الايادي في المظاهرة التي نظمتها المحافظة للاحتفال بعيد تحرير سيناء وصنافير وتيران فأصيب بلوثة وأخذ يبكي ويولول لكنه لم يتوقف عن الرقص!
أما خالد شقيق ابراهيم صديقي الذي استثنيه من قاعدة ان كل الاثرياء أوغاد بالضرورة فقد حصل على إعفاء من التجنيد الاجباري لأن والده لا يحبه أن يبيت خارج المنزل لكن الضابط الذي حرر شهادة الاعفاء رفض ان يكتب هذا السبب في الشهادة وفضل أن يكتب بدلا منه " غير لائق نفسيا"
هل للمبادئ دور في حياتنا سوى تكبيلنا كقربان يعد للذبح يا مدن؟
الوطنية
الثورة
التضحية
الحرية
العدالة
الخير
كل المبادئ التي نشأنا عليها نراها الآن مصلوبة أمام أعيننا على قارعة الطريق ولا نملك الا أن نحدق فيها مذهولين
ثم نبكي
لكن حتى البكاء لم تعد مآقينا تجود به بسهولة
كيف لإنسان يحمل بداخله أي معنى  أن يتحمل الحياة في هذا العالم العابث السخيف البشع
حيث كل شئ يبدأ لينتهي
يولد ليموت
يأتي ليرحل
أين الحقيقة؟
هل الضحايا الغارقين في دمائهم الذين نشاهدهم كل يوم هم الجناة حقا؟
ما معنى الجملة السابقة؟
هل الحلم  خطيئة؟
ماهو الرابط الخفي بين الواقعية وموت الضمير؟
أتدرين يا مدن !
أخشى ما أخشاه هو الاعتياد
أن تصبح مشاهد القتل والاشلاء والدم والظلم مشاهد معتادة لها وقع محايد على النفس كالاعلانات والنشرات الجوية
برغم كل الالم الذي يقتات على روحي الا انني أخشى أن أعتاد الظلم
ان أصير مثل هؤلاء الزومبي المقززين الذي يبادرون بالتعري ورقص الاستربتيز دفاعا عن الظلمة والمستبدين
ولذلك فإنني أسأل الله سؤالا واحدا كل ليلة
يا الله! متى اغيب عن االوعي؟
صدقيني يامدن حاولت جاهدأ ان اكتب لك شيئا مبهجا بعد كل هذا الغياب
لكن منعتني صور ضحايا حلب الذين لسبب غامض  لم أقو على اعلان تعاطفي معهم
لم أعد أستطيع ان أمارس ذلك التعاطف السلبي المريح  دون أن يصاحبه الكثير من التقزز من نفسي
ومن البشر يامدن
لماذا لم يخلقني الله " كلب" ؟
كلب ينبح فقط على الغرباء ولا يهاجم بني جنسه الا إذا أصاب مخه عطب أو مرض ويكون مصيره وقئذ العلاج أو القتل لا الاحتفاء والتكريم
لابد أن له حكمة في ذلك !
لابد أنه أيضا له حكمة في كل ما يحدث !
لكني لا أدركها
لابد
غير أن ما أدركه تماما أنه لايمكن لإنسان سوي أن يشعر بالسعادة والتفاؤل في وسط كل هذا الكم من الدماء والظلم
و إلى أن يتحقق دعائي وإلى أن تجيبي سؤالي
لماذا أنت لست معي الآن يا مدن؟
سيظل القلب نابضا بحبك
فإلى مرة  قادمة اختلس خلالها من الدنيا بضع دقائق أمارس فيها فعل الحياة الوحيد وأكتب لك رسالتي التالية
هذا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي