عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أعلم يقينا أنه كان لابد أن تولدي كي تدرك الارض أن لم يطأها نساء قبلك قط
وأنه كان لابد أن نلتقي كي تبتذل كل كلمة حب قيلت لسواك
لكن السؤال هنا
هل لابد أن نفترق كي تعلم الحياة أن ما مضي عليها من أحزان كان محض مزحة ؟
حسنا
لابد من الاعتراف
فيما عداك
ألف مليون لعنة على كل شئ
فليذهب العالم الى الجحيم أو الى التجنيد الاجباري
لافرق
أتعلمين!
في فيلم الارهاب والكباب مشهد لا يفارق مخيلتي
عندما استنكر عادل امام على اشرف عبد الباقي كراهيته للتجنيد قائلا : انت في خدمة مصر
فأجابه عبد الباقي بتلقائية شديدة : انا مش في خدمة مصر أنا في خدمة الباشا سيادة اللوا والعيال الباشوات ولاد الباشا سيادة اللوا
أظنك أخيرا تفهمني يا حضرة الباشا الضابط
تغير الامر الآن يا مدن
لم يعد المجند فقط هو الذي يخدم الباشا سيادة اللوا
أصبح الشعب كله في خدمة الباشا سيادة اللوا والباشا سيادة المستشار أيضا
سيادة المستشار ذو البدلات التي تنقسم ميتوزيا وتتكاثر ذاتيا ولا إردايا حتى أنني أخشى إن ذكرته مرة أخرى في رسائلي ان يمنحه حضرة الباشا الضابط ( بدل ذكر في رسائل المواطنين / الخدم)
نعم
الخدم يا مدن
يزعجك الاسم ؟!
هكذا هي الحقائق دائما
مزعجة
ومقلقة
خاصة تلك التي تزعزع الموروثات والعادات العتيقة
تلك التي تثير العجائز والمتيبسين وتهيجهم وتجعلهم يدافعون باستماته عن ركودهم وأفكارهم القديمة البالية
ليس دفاعا عن الفكرة ذاتها
إنما دفاعا عن أنفسهم وكبرياءهم الشخصي
إذا كيف يقبلوا أن يكشتفوا بعد كل هذا العمر
أنهم كانوا سذجا وبلهاء وعاشوا عمرهم مخدوعين
مدن !
ألم يكن من الممكن أن تمتد اللحظة التي أنظر اثناءها في عينيك لتكون العمر كله؟
لماذا تتركينني هكذا
وحدي
أعانق الخواء
وألعن الفراغ
وأشتاق إليك
وأحبك
مدن !
لماذا أنت لست معي الآن؟
لقد تغيرت وتبدلت أحوالي في الفترة الاخيرة لدرجة مرعبة
فقدت الكثير من مرحي المعتاد
أتغير
أتغير بشدة
أفقد كل يوم جزء من نفسي
تدريجيا يتغير كل ما في
لون بشرتي
نظرتي
طريقة كلامي
عملية تحول بطيئة
ومخططة
وواثقة.
لم أعد ذلك الشخص الذي كنته
الحقيقة مرعبة
والواقع مرير وقاسي
الآن أدرك أهمية النظارات الشمسية
والضباب
والستائر
الزمن كائن أخطبوطي يلتهمني ببطء وتلذذ
حنيني لـ (وطن)
لـ (معنى)
لـ (حياة)
حنيني لك يستهلكني
يطحنني لحما وعظما
أحلام اليقظة هي زادي في تلك الايام
أهرب بها وإليها
أغمض عيني
أسبح في حلم جديد
أقابلك صدفة
أعانقك حتى نكاد نمتزج
أغرق في تفاصيلك
اخبرك أنني منعت عماد من السفر
منحت أمينة المزغودة الكثير من النقود والروايات الرومانسية
أحضرت لأمي دواء للروماتيزم
ألقيت سيد الوكيل وزوجته من النافذة وأخبرت الشرطة أن شريف الوكيل هو الذي فعلها
ثم أتيتك لأقضي ما بقى من العمر معك
أستغرق في الحلم بكل جوراحي
أشعر بالراحة والرضا
ثم أفتح عيني
فيصفعني منظر الغرفة بجدرانها البيضاء الباهتة
وشرفتها التي تطل على اللا شيء
يخنقني ذلك الفراغ الذي يحيط بي
آه يا مدن
أنا لا أنتمي لهذا الزمان
تركتني ف الماضي
وجئت هنا أبحث عن شيء لا يعنيني
مدن !
أخشى أن حضرة الباشا الضابط بدأ يشعر بالملل من كآبتي وانت تعلمين جيدا عاقبة هذا الامر
لا أدري
سأحاول في الرسالة القادمة أن أمنحه بعض الاثاره
ربما أحقق وعدي القديم وأحكي لكما عن ذلك البرنامج التافه
ربما
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد