عزيزتي مدن
مساؤك سكر
مدن! أتدرين ما هي مشكلتي الاكبر معك
مشكلتي أن البشر اخترعوا اللغة لوصف الاشياء التي كانت موجودة حولهم وانت لم تكوني موجودة وقتها
لو أنهم توقعوا ان مثلك سيسكن الارض لكان اجدر بهم ان ينتقوا كلمة مثل ساحرة أو فاتنة ويحجبوها عن الناس
يمنعوهم من تداولها حتى لا تبتذل أو تشوه إذا ما استخدمت لوصف شيء غيرك
يحجزوها خصيصا لك
توضع تلك الكلمة في القواميس والمعاجم دون شرح ودون ترجمة
فقط صورتك
إن معظم مشاعر الانسان واحساسيه يا مدن تكون معقدة ومركبة
ونادرا ما يشعر شعور احادي او بسيط
فلا يوجد فرح الا ويصحبه خوف او قلق
ولا يوجد حزن الا ومعه بعض الرضا او القناعة
ولكننا حين نستخدم تعبير اننا سعداء او تعساء
فاننا في الواقع نتحدث عن الشعور الابرز بين العديد من المشاعر المختلفة
وفي العموم اري ان الكلمات اصلا وسيلة عقيمة للتعبير عن المشاعر
فالكلمات مهما بلغت بلاغتها تكبل المعاني وتخنق المشاعر وتختزلها
فمهما وصفت لك طعم الكمثرى او مدي روعة اللون الاحمر مثلا فانت لن تفهم ابدا ما اعني مالم تتذوق الكمثرى أو تري اللون الاحمر فعلا
وحتى إذا تذوقتيها فليس هناك أي وسيلة لأتأكد انك شعرت بنفس الطعم الذي شعرت به جميعنا نعرف الطعم الحامض لكننا لا نعرف تحديدا من الذي يشعر به من يتذوق الطعم الحامض لذلك لكم تمنيت ان يتم انتقال المشاعر ومكنونات القلب باللمس
اضع يدي على جبينك فتشعرين بما اريد قوله
شكوي
أنين
فرحه
حب
شئ اشبه بالكهرباء مثلا
فاللمبه لو قلت لها 1000 فولت او حتى مليون فولت
فلن تضئ مهما كررت
بينما اذا لمسها سلك به 50 فولت فقط فستضيئ الغرفة بأكملها
مشكلتي العويصة مع اللغة (أي لغة) ان المفردات التي تعبر عن المشاعر والاشياء المعنوية تستدعي في ذهن المتلقي المعني الناتج من مخزونه المعرفي وخبرته الحياتية وهي خبرة شديدة الخصوصية يستحيل ان تتماثل بين شخصين
فعندما استخدم مفردة (رقة) او (عذوبة)
فانني في الحقيقة شعرت بإحساس معين بداخلي
ولم اجد سوي هذه المفردة للتعبير عن شيء اقرب ما يكون لما شعرت به
لكنه ليس هو نفس الشعور بالضبط
انت ايضا عندما تسمعين مني تلك المفردة ستفهميني الی حد ما
لكنك لن تعي شعوري تمام الوعي لان المخزون المعرفي لكلينا مختلف بالضرورة
ميزة هذه الرؤية للعلاقة بين المشاعر واللغة يا مدن
انها تقنعك ان مشاعرك وافكارك ستظل حبيسة قلبك وعقلك للابد
فتمنحك يأسا مريحا من محاولة فهم الاخر او محاولة جعله يفهمك
لا يعني هذا أنني سأتوقف عن الكلام أو ارسال رسائل لمدن يا يا حضرة الباشا الضابط
بالعكس
فرسائلي لها هي الشئ الوحيد الذي له معنى في حياتي
بعد أن ادركت متأخرا كالعادة أن الحياة ليست كما تصورنا
ليست كما حلمنا
وليست حتى كما نعيشها الان
أدركت أنني اهدرت عمري في الانشغال بأمور لم تكن تستحق كل هذا العناء
وان الانشغال كان يجب أن يوجه الى الاشياء التي لطالما اعتقدت انها على الهامش أو تلك التي اعتقدت أنها تافهة و عبثية
مأساتي أنني لاعتبارات كثيرة أهمها أن العالم من حولي كان دائما لديه التباس حقيقي في التفريق بين الصواب والخطأ فقد كان على أن اخوض التجربة وحدي
الامر الذي جعلني حتى هذه اللحظة مازلت هناك عالقا في التيه والحيرة
أنتظر شيئا ما أظن انه يجب أن يحدث
الغريب أنني أنتظر هذا الشئ ولا يأتي أبدا
كل خطوة تتحقق مرتبطه بخطوة تالية لها لا تحدث
لا تحدث الا في المستقبل
والمستقبل بدوره يجرنا خلفه في سرداب طويل بلا آخر
يتم فيه استنزاف الحاضر
يتم فيه استنزاف الحياة
أو ما تبقى منها
كلنا ننتظر شيئا ما
الواقيعون
المثاليون
والمتفاءلون
الكل ينتظر منقذ ما
مخلص
أمر ما يحقق السعادة
الراحة
شئ ما وحيد يبعث على الامل
في هذا العالم الذي تحكمه العبثية واللاجدوى
متى يتحقق هذا الحلم الزائف ؟
لماذا يأتي هذا الشئ أصلا؟
هذا ما أخشى أن أبوح به حتى لنفسي
أتذكر الان المدرسة في الفصل وهي تسألنا
عايزين تطلعوا ايه لما تكبروا؟؟
كنت الوحيد الذي لم يجب على السؤال
الوحيد الذي قال : لا أدري ..انا اصلا لا اريد ان اكبر
هل كنت الوحيد الذي أجاب بأمانه
أم ان إجابتي تلك كانت هي المشكلة
المأساة
أنني عشت عمري كله "لا أدري"
لا أعلم بالضبط ماذا عليّ ان أفعل لأحقق ما أريد
ولا حتى أعرف من الاساس ماذا أريد
لا بأس يا مدن
لا بأس يا حضرة الباشا الضابط
سأقول لكما كما قال مارك توين (علی ما اتذكر)
"سيقول البعض انني كنت جيدا وسيقول اخرين انني كنت سيئا ولكن المؤكد انني في النهاية سأموت ولم يفهمني احد علی الاطلاق"
والى لقاء في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد