عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أتذكرين
حين أخبرتك أني أحبك لأنك الوحيدة التي تستطيع التواجد بمكانين في نفس اللحظة
أحدهما قلبي
والآخر لا يعنيني
.
.
كنت ساذج
غبي
أو كنت أكذب
كلا
بل يعنيني طبعا
هل افتقد من الدنيا شيئا
سوى ضحتك وعينيك
عيناك التان تختصران ما في الكون من جمال
وضحتك التي تصيب قوانين الطبيعة بالجنون
تضحكي
فتنبت الازهار في احضان الجبال الصخرية
وتبكي الاسود ذعرا اذا ما لمحت غزالة برية
وتمطر السماء فراشات ذهبية
وضحكات أطفال
وقبعات ملونة
وقلوب بيضاء
وحبات كرز من النوع الذي تفضلين
آه يا سارة
لماذا انت لست معي الآن؟
أتعملين
هذا المساء مر علي عماد
لا تعجبني أحواله في الفترة الاخيرة
أصبح سريع الغضب
كثير الصمت والشرود
ما أن دخلنا غرفتي حتى أبدى ضيقه وشعوره بالاختناق وطلب باستجداء ان نخرج الى الحديقة
على السلم أخذ يداعب زهرات الجاردينيا المستكينة في اصصها على جانبي الدرجات
وفور وطأه الارض دس وجهه في أحضان شجرة الياسمين على يمين المدخل
أغمض عينيه واخذ يملا رئتيه بعبيرها الآسر
وقفت بجانبه عاقدا ساعدي على صدري وأخذت اراقبه مبتسما وهو يعيد شحن بطارياته الحيوية كما يقول دوما
اتجه بعدها ناحية ملكة الليل المزروعة بمحاذة السور واخذ يجدف بيديه في الهواء من أسفل الى اعلى كأنما يرفع شذاها الى مستوى أنفه
التفت ناحيتي وابتسم ابتسامه واهنه ثم تأبط ذراعي وسحبني تجاه النخلة الواقفة بتعالي في يسار الحديقة
نخلتنا غريبة ونادرة تثمر بلحا لم أرى مثله طويل و له شكل البلح الزغلول ولكن لونه أصفر زاهي كأصابع الموز الناضجة كما ان مذاقه كالشهد
في طفولتنا كنا نتبارى في رشق الشماريخ العالية بالحجارة وكان عماد أمهرنا إذ كان حجره يسقط العدد الاكبر من البلح
انحنى عماد والتقط حجرا صغيرا في حجم حبة المشمش وقذفه بقوة لأعلى لكن رميته طاشت
حاول مرة أخرى
وأخرى
وأخرى
بدأ يلقي الحجارة بسرعة وغضب
لوهلة شعرت أنه لا يقصد النخلة فقط بحجارته تلك
بعد عشرات المحاولات الطائشة
استسلم
اسند ظهره الى شجرة التوت القريبة من النخلة وجلس يعبث بالحصى المنتشر على الارض وهو يلهث
كنت واقفا امامه اتطلع فيه باشفاق وأردت أن أقطع الصمت فقلت بحياد : ماعادتش بتطرح
ثم أشرت بكفي الايمن الى أغصان شجرة التوت فوقه
أجاب بلامبالاة : ما قطعتهاش ليه
صدمت من اجابته ولم أرد
بعد فترة من الصمت الثقيل رفع ناحيتي عينين ذابلتين و بدأ يحكي
حكي ان ابنته جودي عندما كانت في الخامسة من عمرها كان تفتقده وتريده ان يمنحها المزيد من الوقت
كان يعمل لمدة تزيد عن الخمسة عشر ساعة وحين يعود للبيت لا يكون صالحا للاستهلاك الادمي
وأقنعتها أمها أنه لابد أن يعمل ليشتري لها كل ما تشتهي
بدأت البنت تردد الجملة كثيرا لكل من تقابله
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "
بعد عدة سنوات
عاد
زارته اخته وأثناء فرجتها على المنزل قالت بعفوية : ماشاء الله انتوا عندكوا كل حاجه ممكن الواحد يحلم بيها في بيته
كانت سعيدة وفخورة بأخيها لكن الجملة هزته
وفجأة لمع المعنى الخفي لجملة جودي
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "
ولاحقته الاسئلة ككلاب مسعورة
من يعمل عند من؟
من يملك من؟
هل أمتلك مقتنياتي أم هي التي تمتلكني؟
أي جنون جعلني أتحول من أب وزوج الى بنك؟ من إنسان الى ماكينة صراف؟
أي شيطان أقنعني أن احول أجمل سنوات عمري الى حفنة من الاجهزة والمفروشات؟
فجأة
انتفض واقفا وأخذ يعدو في أنحاء الحديقة كالمجنون متخيلا أنها منزله
توقف في أقصى اليمين وقال كأنه يفرجني على المنزل:
هنا الصالة آ آسف الريسبشن حتى لاتغضب ناهد
هذا تلفزيون خمسين بوصة ثلاثي الابعاد ذكي يتصل بالانترنت ويشغل ألعاب الفيديو ويعمل عجين الفلاحة
أما هذا فريسيفر اتش دي له كامتين لا شتراك الاو اس ان والجزيرة
وهذه السماعات هي سماعات المسرح المنزلي الدولبي ديجيتال
مكيف هواء سبليت أمريكي
ستائر سيدار بريموت كنترول حتى لا ترهق اصابعنا في فتحها وغلقها
انتريه مودرن أميريكان
سجاد بوبرة عالية
بورسلين
البورسلين للصـ .. للريسبشن فقط اما بقية المنزل فتنازلنا وجعلناه سيراميك عادي
الصالة وحدها تكلفت ربما عامين أو ثلاثة
اللعنة
الريسيبشن . . الريسيبشن
كان يتحدث بانفعال وبسرعة شديدة كأنه مبرمج آليا
أشار الى وهو يتحرك ناحية اليسار قائلا : تعال تعال لاريك المطبخ
المطبخ كما ترى أميريكان أيضا أخو الانتريه ( يضحك)
لابد أن يكون اميريكان حتى يرى الزوار الاجهزة التي بداخله
الميكروويف والكتشين ماشين والعجانة وغسالة الاطباق تكلفت سنه
لا بل ستة أشهر فقط لا يجب أن أبخس عمري هكذا
هذا بوتاجاز ايطالي خمس شعلات ثمنه شهر واحد شامل الجمارك والشحن , ليس غالي الثمن خاصة أن فرنه يستوعب خروفا كاملا
ثم همس وهو يهز رأسه : مع اننا لا نحب الضأن
هذه ثلاجة سبعمائة وخمسون ألف قدم تحفظ الطعام لمدة ألف سنة مما تعدون ولها بابين
لو كنت وجدت واحدة بثلاثة أو أربعة أبواب لما ترددت في شراءها فأنا كما تعلم ثري
واعمل في الخليج
ولدي الكثير من السنوات القابلة للتحويل الى ريالات
وأجهزة
وهواتف
وسيارات
كان يرتجف أثناء الحديث من فرط الانفعال والعصبية
أقتربت منه
حاولت تهدئته
أمسكت يده ودعوته للجلوس فجذبني من يدي بقوة وقال : تعال لم انته بعد مازال لدي الكثير بالداخل
الحمام
غرف النوم
مازال البيت ملئ بالاجهزة
بالايام
بالسنوات التي تحولت لرمل واسمنت وحديد
تعال لابد أن تشاهد
لابد أن تنبهر
ما فائدة الاجهزة اذا لم تجعلك تنبهر
لكن مهلا
لقد خدعني مهندس الديكور الذي تقاضي وحده عاما ونصف العام من عمري
صحيح أنه استغل المساحات باقتدار
وكدس البيت بالاجهزة والاثاث لكنه نسى أن يترك مساحة للونس
للدفئ
لراحة البال
للطمأنية
للسكينة
للبراءة
سأتصل به
(واخرج الهاتف من جيبه)
سأغريه
سأعطيه ستة أشهر أخرى
مؤكد سيجد حلا
ربما يستطيع ان يجد لهم مكانا في السقف المعلق
أو في غرفة المعيشة
أو في السفرة بدلا من النيش مثلا ولتذهب ناهد الى الجحيم
وإذا لم يستطع؟!
بهتته الفكرة فصمت لوهلة كأنه يفكر في حل ثم أكمل بصوت متهدج ونبرة مستعطفة باكية
إذا لم يستطع فعليه على الاقل أن يصنع لنا جهازا جديدا
جهازا يزيل السأم الذي يستتر خلف الستائر الاتوماتيكية وتحت السجاد ذو الوبرة العالية
يزيل الخواء الذي يعشش في الميكروويف وغسالة الاطباق والمسرح المنزلي
يزيل الارق الذي يكسو كل الوسائد ويختبئ تحت كل الاغطية
لابد أن يجد حلا
لابد
لابد
أمسكته من كتفيه وهززته بعنف صارخا : كفاية يا عماد كفاية
سكت !
نظر في عيني كأنه فوجئ بوجودي
كأنه كان في غيبوبة وأفاق فوجدني أمامه
تلفت حوله كأنه يتأكد أين هو
ثم ألقى رأسه في صدري
وبكى
بكى كثيرا
وهذى أكثر
قال أشياء كثيرة عن روحه المهترئة
عن هشاشته وشهوره بالانهاك والضياع
عن الغربة المزمنة التي تجتاحه طول الوقت
عن الوطن الذي فشل حتى في التظاهر بأنه وطن
وعن الفقد
ثم أخبرني أنه سيسافر بعد أسبوعين
ذكرني بعبارة بهاء طاهر في قصته البديعة " لم أعرف أن الطواويس تطير" حين قال البطل لصديقته : بعد الغياب الطويل في الغربة لايعود للإنسان في الحقيقة أي وطن
وأخبرني انه حاول كثيرا أن يتجنب هذا المصير
لكنه ببساطة
فشل
سألته باشفاق : هل ستتغرب مرة أخرى؟
فأجاب بأسى : مرة أخرى؟؟ الغربة فعل إذا بدأ لا ينتهى يا يحي
كان يمشي في اتجاه الشارع
وعند باب الحديقة توقف لثواني ثم ادار وجهة ناحيتي وقال باستسلام : أشعر أني مجوف
قالها ثم خرج واختفى عن نظري
كنت منهكا فلم أستطع ايقافه
هذا ما يحدث يا مدن
هذا ما يحدث عندما يبيع الانسان مالا يجب بيعه
عندما يستبدل الذي هو أحقر بالذي هو أعز
لمت نفسي كثيرا بعدها
لأنني لم أتكلم
لم أواسيه
لم أخبره أنني أيضا مثله ضائع
لأنك لست معي
لم أخبره أني بدونك
أشعر أني مجوف
خاو كجذع نخلة منقعر
أن بعدك يقتلني ببطء
يمتص من روحي الحياة كقبلة مومياء فرعونية
وأنني كلما انسل مني الوقت دون وصلك أشعر كأني
أنزوي
أذبل
كأن الحياة تتسرب من ثقب خفي في قلبي
كنت أود أن أخبره أنني أيضا أشعر بالغربة واغتراب الروح
وأن الغربة ليست فقط غربة الوطن والسفر
لكن الغربة ألا يكون لك (هنا)
أن تغادري الحيز الوحيد الذي كان جدير بأن يكون (هنا)
ليغدو كل شئ في عينيك بعدها ( هناك(
أن تنتفي الـ (هنا) من قاموسك ويقتصر استخدامها على الاشارة إما للماضي المفتقد وإما للبعيد المشتهى مسبوقة بذلك الفعل الممض المقبض .. ( كان)
وانت كنت (هنا) الخاصة بي ياسارة
لكنك تتحولين تدريجيا الى ( هناك)
بمضي الوقت تتغلغل ( كان) في كل حديثي وحكاياتي عنك
كنت أقابلك
كنت أهاتفك
كنت ألمس يدك
كنت ...
كنت ...
يسلمني بعدك لكلاب الفقد تعوي في صدري
تنهشني
أعلم أنك تنتظرين حكاية خالتي ثريا أعلم
بالمناسبة
خالتي ثريا أيضا تشعر أنها بلاوطن
رغم أنها لم تغادر قريتنا الا مرات معدودة
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد
مساؤك سكر
أتذكرين
حين أخبرتك أني أحبك لأنك الوحيدة التي تستطيع التواجد بمكانين في نفس اللحظة
أحدهما قلبي
والآخر لا يعنيني
.
.
كنت ساذج
غبي
أو كنت أكذب
كلا
بل يعنيني طبعا
هل افتقد من الدنيا شيئا
سوى ضحتك وعينيك
عيناك التان تختصران ما في الكون من جمال
وضحتك التي تصيب قوانين الطبيعة بالجنون
تضحكي
فتنبت الازهار في احضان الجبال الصخرية
وتبكي الاسود ذعرا اذا ما لمحت غزالة برية
وتمطر السماء فراشات ذهبية
وضحكات أطفال
وقبعات ملونة
وقلوب بيضاء
وحبات كرز من النوع الذي تفضلين
آه يا سارة
لماذا انت لست معي الآن؟
أتعملين
هذا المساء مر علي عماد
لا تعجبني أحواله في الفترة الاخيرة
أصبح سريع الغضب
كثير الصمت والشرود
ما أن دخلنا غرفتي حتى أبدى ضيقه وشعوره بالاختناق وطلب باستجداء ان نخرج الى الحديقة
على السلم أخذ يداعب زهرات الجاردينيا المستكينة في اصصها على جانبي الدرجات
وفور وطأه الارض دس وجهه في أحضان شجرة الياسمين على يمين المدخل
أغمض عينيه واخذ يملا رئتيه بعبيرها الآسر
وقفت بجانبه عاقدا ساعدي على صدري وأخذت اراقبه مبتسما وهو يعيد شحن بطارياته الحيوية كما يقول دوما
اتجه بعدها ناحية ملكة الليل المزروعة بمحاذة السور واخذ يجدف بيديه في الهواء من أسفل الى اعلى كأنما يرفع شذاها الى مستوى أنفه
التفت ناحيتي وابتسم ابتسامه واهنه ثم تأبط ذراعي وسحبني تجاه النخلة الواقفة بتعالي في يسار الحديقة
نخلتنا غريبة ونادرة تثمر بلحا لم أرى مثله طويل و له شكل البلح الزغلول ولكن لونه أصفر زاهي كأصابع الموز الناضجة كما ان مذاقه كالشهد
في طفولتنا كنا نتبارى في رشق الشماريخ العالية بالحجارة وكان عماد أمهرنا إذ كان حجره يسقط العدد الاكبر من البلح
انحنى عماد والتقط حجرا صغيرا في حجم حبة المشمش وقذفه بقوة لأعلى لكن رميته طاشت
حاول مرة أخرى
وأخرى
وأخرى
بدأ يلقي الحجارة بسرعة وغضب
لوهلة شعرت أنه لا يقصد النخلة فقط بحجارته تلك
بعد عشرات المحاولات الطائشة
استسلم
اسند ظهره الى شجرة التوت القريبة من النخلة وجلس يعبث بالحصى المنتشر على الارض وهو يلهث
كنت واقفا امامه اتطلع فيه باشفاق وأردت أن أقطع الصمت فقلت بحياد : ماعادتش بتطرح
ثم أشرت بكفي الايمن الى أغصان شجرة التوت فوقه
أجاب بلامبالاة : ما قطعتهاش ليه
صدمت من اجابته ولم أرد
بعد فترة من الصمت الثقيل رفع ناحيتي عينين ذابلتين و بدأ يحكي
حكي ان ابنته جودي عندما كانت في الخامسة من عمرها كان تفتقده وتريده ان يمنحها المزيد من الوقت
كان يعمل لمدة تزيد عن الخمسة عشر ساعة وحين يعود للبيت لا يكون صالحا للاستهلاك الادمي
وأقنعتها أمها أنه لابد أن يعمل ليشتري لها كل ما تشتهي
بدأت البنت تردد الجملة كثيرا لكل من تقابله
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "
بعد عدة سنوات
عاد
زارته اخته وأثناء فرجتها على المنزل قالت بعفوية : ماشاء الله انتوا عندكوا كل حاجه ممكن الواحد يحلم بيها في بيته
كانت سعيدة وفخورة بأخيها لكن الجملة هزته
وفجأة لمع المعنى الخفي لجملة جودي
" بابا لازم يشتغل عشان يجبلي كل اللي نفسي فيه "
ولاحقته الاسئلة ككلاب مسعورة
من يعمل عند من؟
من يملك من؟
هل أمتلك مقتنياتي أم هي التي تمتلكني؟
أي جنون جعلني أتحول من أب وزوج الى بنك؟ من إنسان الى ماكينة صراف؟
أي شيطان أقنعني أن احول أجمل سنوات عمري الى حفنة من الاجهزة والمفروشات؟
فجأة
انتفض واقفا وأخذ يعدو في أنحاء الحديقة كالمجنون متخيلا أنها منزله
توقف في أقصى اليمين وقال كأنه يفرجني على المنزل:
هنا الصالة آ آسف الريسبشن حتى لاتغضب ناهد
هذا تلفزيون خمسين بوصة ثلاثي الابعاد ذكي يتصل بالانترنت ويشغل ألعاب الفيديو ويعمل عجين الفلاحة
أما هذا فريسيفر اتش دي له كامتين لا شتراك الاو اس ان والجزيرة
وهذه السماعات هي سماعات المسرح المنزلي الدولبي ديجيتال
مكيف هواء سبليت أمريكي
ستائر سيدار بريموت كنترول حتى لا ترهق اصابعنا في فتحها وغلقها
انتريه مودرن أميريكان
سجاد بوبرة عالية
بورسلين
البورسلين للصـ .. للريسبشن فقط اما بقية المنزل فتنازلنا وجعلناه سيراميك عادي
الصالة وحدها تكلفت ربما عامين أو ثلاثة
اللعنة
الريسيبشن . . الريسيبشن
كان يتحدث بانفعال وبسرعة شديدة كأنه مبرمج آليا
أشار الى وهو يتحرك ناحية اليسار قائلا : تعال تعال لاريك المطبخ
المطبخ كما ترى أميريكان أيضا أخو الانتريه ( يضحك)
لابد أن يكون اميريكان حتى يرى الزوار الاجهزة التي بداخله
الميكروويف والكتشين ماشين والعجانة وغسالة الاطباق تكلفت سنه
لا بل ستة أشهر فقط لا يجب أن أبخس عمري هكذا
هذا بوتاجاز ايطالي خمس شعلات ثمنه شهر واحد شامل الجمارك والشحن , ليس غالي الثمن خاصة أن فرنه يستوعب خروفا كاملا
ثم همس وهو يهز رأسه : مع اننا لا نحب الضأن
هذه ثلاجة سبعمائة وخمسون ألف قدم تحفظ الطعام لمدة ألف سنة مما تعدون ولها بابين
لو كنت وجدت واحدة بثلاثة أو أربعة أبواب لما ترددت في شراءها فأنا كما تعلم ثري
واعمل في الخليج
ولدي الكثير من السنوات القابلة للتحويل الى ريالات
وأجهزة
وهواتف
وسيارات
كان يرتجف أثناء الحديث من فرط الانفعال والعصبية
أقتربت منه
حاولت تهدئته
أمسكت يده ودعوته للجلوس فجذبني من يدي بقوة وقال : تعال لم انته بعد مازال لدي الكثير بالداخل
الحمام
غرف النوم
مازال البيت ملئ بالاجهزة
بالايام
بالسنوات التي تحولت لرمل واسمنت وحديد
تعال لابد أن تشاهد
لابد أن تنبهر
ما فائدة الاجهزة اذا لم تجعلك تنبهر
لكن مهلا
لقد خدعني مهندس الديكور الذي تقاضي وحده عاما ونصف العام من عمري
صحيح أنه استغل المساحات باقتدار
وكدس البيت بالاجهزة والاثاث لكنه نسى أن يترك مساحة للونس
للدفئ
لراحة البال
للطمأنية
للسكينة
للبراءة
سأتصل به
(واخرج الهاتف من جيبه)
سأغريه
سأعطيه ستة أشهر أخرى
مؤكد سيجد حلا
ربما يستطيع ان يجد لهم مكانا في السقف المعلق
أو في غرفة المعيشة
أو في السفرة بدلا من النيش مثلا ولتذهب ناهد الى الجحيم
وإذا لم يستطع؟!
بهتته الفكرة فصمت لوهلة كأنه يفكر في حل ثم أكمل بصوت متهدج ونبرة مستعطفة باكية
إذا لم يستطع فعليه على الاقل أن يصنع لنا جهازا جديدا
جهازا يزيل السأم الذي يستتر خلف الستائر الاتوماتيكية وتحت السجاد ذو الوبرة العالية
يزيل الخواء الذي يعشش في الميكروويف وغسالة الاطباق والمسرح المنزلي
يزيل الارق الذي يكسو كل الوسائد ويختبئ تحت كل الاغطية
لابد أن يجد حلا
لابد
لابد
أمسكته من كتفيه وهززته بعنف صارخا : كفاية يا عماد كفاية
سكت !
نظر في عيني كأنه فوجئ بوجودي
كأنه كان في غيبوبة وأفاق فوجدني أمامه
تلفت حوله كأنه يتأكد أين هو
ثم ألقى رأسه في صدري
وبكى
بكى كثيرا
وهذى أكثر
قال أشياء كثيرة عن روحه المهترئة
عن هشاشته وشهوره بالانهاك والضياع
عن الغربة المزمنة التي تجتاحه طول الوقت
عن الوطن الذي فشل حتى في التظاهر بأنه وطن
وعن الفقد
ثم أخبرني أنه سيسافر بعد أسبوعين
ذكرني بعبارة بهاء طاهر في قصته البديعة " لم أعرف أن الطواويس تطير" حين قال البطل لصديقته : بعد الغياب الطويل في الغربة لايعود للإنسان في الحقيقة أي وطن
وأخبرني انه حاول كثيرا أن يتجنب هذا المصير
لكنه ببساطة
فشل
سألته باشفاق : هل ستتغرب مرة أخرى؟
فأجاب بأسى : مرة أخرى؟؟ الغربة فعل إذا بدأ لا ينتهى يا يحي
كان يمشي في اتجاه الشارع
وعند باب الحديقة توقف لثواني ثم ادار وجهة ناحيتي وقال باستسلام : أشعر أني مجوف
قالها ثم خرج واختفى عن نظري
كنت منهكا فلم أستطع ايقافه
هذا ما يحدث يا مدن
هذا ما يحدث عندما يبيع الانسان مالا يجب بيعه
عندما يستبدل الذي هو أحقر بالذي هو أعز
لمت نفسي كثيرا بعدها
لأنني لم أتكلم
لم أواسيه
لم أخبره أنني أيضا مثله ضائع
لأنك لست معي
لم أخبره أني بدونك
أشعر أني مجوف
خاو كجذع نخلة منقعر
أن بعدك يقتلني ببطء
يمتص من روحي الحياة كقبلة مومياء فرعونية
وأنني كلما انسل مني الوقت دون وصلك أشعر كأني
أنزوي
أذبل
كأن الحياة تتسرب من ثقب خفي في قلبي
كنت أود أن أخبره أنني أيضا أشعر بالغربة واغتراب الروح
وأن الغربة ليست فقط غربة الوطن والسفر
لكن الغربة ألا يكون لك (هنا)
أن تغادري الحيز الوحيد الذي كان جدير بأن يكون (هنا)
ليغدو كل شئ في عينيك بعدها ( هناك(
أن تنتفي الـ (هنا) من قاموسك ويقتصر استخدامها على الاشارة إما للماضي المفتقد وإما للبعيد المشتهى مسبوقة بذلك الفعل الممض المقبض .. ( كان)
وانت كنت (هنا) الخاصة بي ياسارة
لكنك تتحولين تدريجيا الى ( هناك)
بمضي الوقت تتغلغل ( كان) في كل حديثي وحكاياتي عنك
كنت أقابلك
كنت أهاتفك
كنت ألمس يدك
كنت ...
كنت ...
يسلمني بعدك لكلاب الفقد تعوي في صدري
تنهشني
أعلم أنك تنتظرين حكاية خالتي ثريا أعلم
بالمناسبة
خالتي ثريا أيضا تشعر أنها بلاوطن
رغم أنها لم تغادر قريتنا الا مرات معدودة
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد