عزيزتي مدن
مساءك سكر
قديما كنت اكتب ( مساءك سكر) فيتدفق سيل الكلام من قلبي الى يدي وسرعان ما تمتلئ الرسالة وتفيض ولا يوقفني غير خوفي من أن أطيل عليكي فتملي
لكن هذا لم يعد يحدث مؤخرا
اصبحت اكتبها ثم اضع يدي على خدي مستجديا الكلمات بصعوبة
هل أسرفت في الرسائل السابقة؟ أم أن مشاعري أخذت تتضخم وتتزاحم في قلبي حتى أصبحت عصية على التعبير؟
ذات ونس قال لي عماد إن أسوأ مراحل الحب حين يصبح الحبيب هو كل حياتك
ثم أضاف بحكمة مصطنعة : لا يجب أن يكون أي شخص هو كل حياتك
كان يتحدث عن الحبيب على انه (أي شخص) على أنه (آخر)
بينما انت لم تكوني أبدا (آخر) يامدن
فمنذ سكنت الروح وعمرتيها وقد صرت (أنا)
جزء لا يتجزأ مني
حينما ننتزع ذرة الهيدروجين من الماء فان ذرة الاكسجين المتبقية لا تستمر كـ(ماء) و لا حتى تسمى ماء بلاهيدروجين بل تصبح (اكسجين) فقط ( اكسجين)
هذا ما يحدث لي بدونك
بدونك أمسي شخصا آخر غيري
لماذا أنت لست معي الآن يامدن؟
لماذا تمنعينني أن أكون (أنا)؟
عندما سأل تشارلي شابلن والدته عن رأيها فيما وصل اليه بعد أن أصبح ملء السمع والبصر قالت له بتلقائية عجيبة : حاول أن تكون نفسك !
لوهلة لم أفهم الرابط بين اجابتها وسؤاله لكن بقليل من التأمل أيقنت حقا ان هذا هو المعيار الأول للنجاح
أن تكون نفسك هو الامر الوحيد الجدير بالمحاربة والتضحية من اجل تحقيقه
لم تعش السيدة هانا شابلن لترى يعينها أشخاص يدفعون مئات الالوف من الدولارات فقط كي لا يكونوا أنفسهم
لم تعش لترى مايكل جاكسون وحزبه
أتدرين يامدن
أنا أعذر الممثلات والمذيعات اللاتي يجرين عمليات التجميل في محاولة يائسة للحفاظ على مظرهم الخارجي فهن لا يمتلكن غيره
بيد أن شعورا غريبا يتملكني حينما أنظراليهن وأتساءل في حيرة كيف برغم هذه الملامح ذات القياسات الدقيقة والمدروسة بعناية لا تبدو هذه السيدة جميلة ؟ ولماذا تبدو مصنعة هكذا كتمثال الشمع وكأن الطبيب الذي زرع فيها السيليكون قد استل في ذات الوقت روحها؟
هل أحب أحدهم تمثال شمع من قبل؟ أو حتى حلم بأن يحتسي معه الشاي بينما يحكي له عن أحلامه التي لا تتحقق أبدا مهما أراد ذلك ؟
في سيرتة الذاتية تحدث شارلي شابلن بكل اريحية وحياد بل وبشئ من الفخر احيانا عن فقره الشديد الذي وصل الى حد اضطراره لدخول الملجأ هو واخيه في بداية حياته
وكان هذا اكثر ما أدهش اصدقائي الذين قرأوا سيرته
بينما أنا كان موقفي واضحا
قلت لعماد بحسم : يمكن للمرء بسهولة أن يتحدث بمنتهى الحياد عن الفقر والمرض والألم بشكل عام مادام قد تجاوزه
أما ما يثير الدهشة حقا يا مدن فهو قدرة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والالم في الحديث عن فقرهم بحياد وتسامح
ما يثير الدهشة حقا هي الطريقة البسيطة المتصالحة التي كانت خالتي ثريا تحكي لي بها حكايتها هذا المساء
بعد مشاجرة معتادة مع امي لمحتها تجلس على الدرج المؤدي للحديقة الخلفية
حزينة وصامته
أعددت كوبين من الشاي وذهبت للجلوس بجوارها
فوجئت بيدي الممدودة بالشاي فتناولته بابتسامه تحمل كل امتنان الدنيا
رشفت رشفتين ثم قالت : انت عارف ان احلى حاجه حداكو اني بشرب شاي كتير كل يوم اصلي بحب الشاي قوي بس الايام الاخيرة بتاعة عمك سليمان كت بفكر الف مرة قبل ما اشرب كوباية شاي عشان اوفره للضيوف
كانت تحكي ببساطة ألجمتني وجعلتني عاجزا عن الرد
ثم نظرت في عيني نظرة معاتبة أوجعتني وقالت بلهجة رقيقة : انا سمعتك وانت بتقول لعمتي الحاجة مشيها وزعلانة منك يا سيلافندي
افهمتها انني كنت احاول فقط ان اجعل امي تكف عن الشكوى لأني أعلم انها لن تستغني عنها لكنني لم أقصد ما فهمته ابدا
صدقتني
ولأن قلبها كبير كما أخبرتك سامحتني على الفور وبان هذا في عينيها
حكت لي عن زواجها من عم سليمان بعد طلاقها من زوجها الاول الذي طلقها دون سبب واضح رغم انها كانت تتحمل ضربه لها واهاناته المتكررة
في بداية الامر رفضت بسبب فقر عم سليمان الذي كان يعمل صيادا بسيطا وشجعتها امها لكن والدها أصر على تزويجها
قالت انها ذات ليلة سمعت ابوها يقنع أمها بتلك الزيجة قائلا : البضاعة ما تجبش اكتر من كده
وانها حين دخلت غرفتها ونظرت في المرآة وجدت أنه لم يكذب ثم فكرت أنه برغم أن الحقيقة دائما تكون قاسية الا ان هذا لا يغير من كونها حقيقة
ووافقت
مدن!
هل الحكمة وليدة الالم وليس الذكاء او التعليم ؟ لا أدري
بعد زواجها بعامين توفي والداها في حادث ثم سافر اخيها الى أفغانستان وانقطعت اخباره ولم يتبقى لها من الدنيا سوي سليمان
لم ينجبا
ليس لديهما مانع صحي لكنهما ببساطة لم يتمكنا من الانجاب
وكان عم سليمان مريضا بالكبد واشتد عليه المرض في عامه الاخير فلم يعد يقدر على العمل
قدم طلبا للمعاش بسبب المرض لكن الحكومة اعتبرت ان تليف الكبد ليس اعاقة تستوجب صرف المعاش
ومن بعدها كان سليمان يدعو على نفسه بالعمى او العرج أو أي إعاقة من الاعاقات التي تراها الحكومة مستحقة للمعاش
لكن الله كان رحيما به ولم تطل رقدته
اخبرهم الطبيب بضرورة اجراء عملية جراحية
تقدموا بالاوراق لاجراء العملية على نفقة الدولة فأخبرهم الموظف ببرود آلي أن عليهم الانتظار لستة أشهر قادمة أو محاولة ايجاد واسطة تقرب الموعد
ولما لم يجدوا الواسطة وافقوا على الانتظار
لكن الموت لم يوافق
مات سليمان الصياد وتركها وحيدة
بلا أهل وبلا زوج وبلا أبناء وبلا وطن
هذه المرأة التي مازالت قادرة على التسامح والرضا هي التي تستحق الانبهار يا مدن
هذه المرأة وليس شابلن
أعلم أني أثقلت عليكي كالعادة ولا أعلم ان كنت سأنجح في تخفيف وطأة الحزن في رسائلي أم لا
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد
مساءك سكر
قديما كنت اكتب ( مساءك سكر) فيتدفق سيل الكلام من قلبي الى يدي وسرعان ما تمتلئ الرسالة وتفيض ولا يوقفني غير خوفي من أن أطيل عليكي فتملي
لكن هذا لم يعد يحدث مؤخرا
اصبحت اكتبها ثم اضع يدي على خدي مستجديا الكلمات بصعوبة
هل أسرفت في الرسائل السابقة؟ أم أن مشاعري أخذت تتضخم وتتزاحم في قلبي حتى أصبحت عصية على التعبير؟
ذات ونس قال لي عماد إن أسوأ مراحل الحب حين يصبح الحبيب هو كل حياتك
ثم أضاف بحكمة مصطنعة : لا يجب أن يكون أي شخص هو كل حياتك
كان يتحدث عن الحبيب على انه (أي شخص) على أنه (آخر)
بينما انت لم تكوني أبدا (آخر) يامدن
فمنذ سكنت الروح وعمرتيها وقد صرت (أنا)
جزء لا يتجزأ مني
حينما ننتزع ذرة الهيدروجين من الماء فان ذرة الاكسجين المتبقية لا تستمر كـ(ماء) و لا حتى تسمى ماء بلاهيدروجين بل تصبح (اكسجين) فقط ( اكسجين)
هذا ما يحدث لي بدونك
بدونك أمسي شخصا آخر غيري
لماذا أنت لست معي الآن يامدن؟
لماذا تمنعينني أن أكون (أنا)؟
عندما سأل تشارلي شابلن والدته عن رأيها فيما وصل اليه بعد أن أصبح ملء السمع والبصر قالت له بتلقائية عجيبة : حاول أن تكون نفسك !
لوهلة لم أفهم الرابط بين اجابتها وسؤاله لكن بقليل من التأمل أيقنت حقا ان هذا هو المعيار الأول للنجاح
أن تكون نفسك هو الامر الوحيد الجدير بالمحاربة والتضحية من اجل تحقيقه
لم تعش السيدة هانا شابلن لترى يعينها أشخاص يدفعون مئات الالوف من الدولارات فقط كي لا يكونوا أنفسهم
لم تعش لترى مايكل جاكسون وحزبه
أتدرين يامدن
أنا أعذر الممثلات والمذيعات اللاتي يجرين عمليات التجميل في محاولة يائسة للحفاظ على مظرهم الخارجي فهن لا يمتلكن غيره
بيد أن شعورا غريبا يتملكني حينما أنظراليهن وأتساءل في حيرة كيف برغم هذه الملامح ذات القياسات الدقيقة والمدروسة بعناية لا تبدو هذه السيدة جميلة ؟ ولماذا تبدو مصنعة هكذا كتمثال الشمع وكأن الطبيب الذي زرع فيها السيليكون قد استل في ذات الوقت روحها؟
هل أحب أحدهم تمثال شمع من قبل؟ أو حتى حلم بأن يحتسي معه الشاي بينما يحكي له عن أحلامه التي لا تتحقق أبدا مهما أراد ذلك ؟
في سيرتة الذاتية تحدث شارلي شابلن بكل اريحية وحياد بل وبشئ من الفخر احيانا عن فقره الشديد الذي وصل الى حد اضطراره لدخول الملجأ هو واخيه في بداية حياته
وكان هذا اكثر ما أدهش اصدقائي الذين قرأوا سيرته
بينما أنا كان موقفي واضحا
قلت لعماد بحسم : يمكن للمرء بسهولة أن يتحدث بمنتهى الحياد عن الفقر والمرض والألم بشكل عام مادام قد تجاوزه
أما ما يثير الدهشة حقا يا مدن فهو قدرة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والالم في الحديث عن فقرهم بحياد وتسامح
ما يثير الدهشة حقا هي الطريقة البسيطة المتصالحة التي كانت خالتي ثريا تحكي لي بها حكايتها هذا المساء
بعد مشاجرة معتادة مع امي لمحتها تجلس على الدرج المؤدي للحديقة الخلفية
حزينة وصامته
أعددت كوبين من الشاي وذهبت للجلوس بجوارها
فوجئت بيدي الممدودة بالشاي فتناولته بابتسامه تحمل كل امتنان الدنيا
رشفت رشفتين ثم قالت : انت عارف ان احلى حاجه حداكو اني بشرب شاي كتير كل يوم اصلي بحب الشاي قوي بس الايام الاخيرة بتاعة عمك سليمان كت بفكر الف مرة قبل ما اشرب كوباية شاي عشان اوفره للضيوف
كانت تحكي ببساطة ألجمتني وجعلتني عاجزا عن الرد
ثم نظرت في عيني نظرة معاتبة أوجعتني وقالت بلهجة رقيقة : انا سمعتك وانت بتقول لعمتي الحاجة مشيها وزعلانة منك يا سيلافندي
افهمتها انني كنت احاول فقط ان اجعل امي تكف عن الشكوى لأني أعلم انها لن تستغني عنها لكنني لم أقصد ما فهمته ابدا
صدقتني
ولأن قلبها كبير كما أخبرتك سامحتني على الفور وبان هذا في عينيها
حكت لي عن زواجها من عم سليمان بعد طلاقها من زوجها الاول الذي طلقها دون سبب واضح رغم انها كانت تتحمل ضربه لها واهاناته المتكررة
في بداية الامر رفضت بسبب فقر عم سليمان الذي كان يعمل صيادا بسيطا وشجعتها امها لكن والدها أصر على تزويجها
قالت انها ذات ليلة سمعت ابوها يقنع أمها بتلك الزيجة قائلا : البضاعة ما تجبش اكتر من كده
وانها حين دخلت غرفتها ونظرت في المرآة وجدت أنه لم يكذب ثم فكرت أنه برغم أن الحقيقة دائما تكون قاسية الا ان هذا لا يغير من كونها حقيقة
ووافقت
مدن!
هل الحكمة وليدة الالم وليس الذكاء او التعليم ؟ لا أدري
بعد زواجها بعامين توفي والداها في حادث ثم سافر اخيها الى أفغانستان وانقطعت اخباره ولم يتبقى لها من الدنيا سوي سليمان
لم ينجبا
ليس لديهما مانع صحي لكنهما ببساطة لم يتمكنا من الانجاب
وكان عم سليمان مريضا بالكبد واشتد عليه المرض في عامه الاخير فلم يعد يقدر على العمل
قدم طلبا للمعاش بسبب المرض لكن الحكومة اعتبرت ان تليف الكبد ليس اعاقة تستوجب صرف المعاش
ومن بعدها كان سليمان يدعو على نفسه بالعمى او العرج أو أي إعاقة من الاعاقات التي تراها الحكومة مستحقة للمعاش
لكن الله كان رحيما به ولم تطل رقدته
اخبرهم الطبيب بضرورة اجراء عملية جراحية
تقدموا بالاوراق لاجراء العملية على نفقة الدولة فأخبرهم الموظف ببرود آلي أن عليهم الانتظار لستة أشهر قادمة أو محاولة ايجاد واسطة تقرب الموعد
ولما لم يجدوا الواسطة وافقوا على الانتظار
لكن الموت لم يوافق
مات سليمان الصياد وتركها وحيدة
بلا أهل وبلا زوج وبلا أبناء وبلا وطن
هذه المرأة التي مازالت قادرة على التسامح والرضا هي التي تستحق الانبهار يا مدن
هذه المرأة وليس شابلن
أعلم أني أثقلت عليكي كالعادة ولا أعلم ان كنت سأنجح في تخفيف وطأة الحزن في رسائلي أم لا
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد