عزيزتي مدن
مساءك سكر
عندما قرأ عماد مذكراتي ( وهو الوحيد الذي اطلع عليها بالمناسبة إذا تجاهلنا تلصصات امي الصامته عليها)
أعادها لي قائلا باستنكار : هذه ليست مذكراتك ولا قصتك هذه قصة مدن .
رددت عليه مستنكرا استنكاره : أهناك فرق؟
أجابني بضيق : انت تبالغ جدا يا وليد .. لا أحد يمتزج بأحد الى هذا الحد ..لا أحد يموت لفراق أحد يا وليد .. انت مجنون حتما
أجبته بهدوء : تقصد لا أحد يدفن لفراق أحد ..
الدفن..
الاعتراف بالموت فقط هو الذي يتاخر ..
لماذا تصر على الانكار؟
انت نفسك مت بعد رحيل والدك
او على الاقل مات معظمك
نظر الي نظرة ملتاعة مصدومة كأنما نظر فجأة في المرآة فلم يجد إلا نصف جسده!
وابتلعنا صمت طويل ممتد
مأساة عماد يا مدن أن الغربة قد فرمته إلا قليلا
وهذا القليل مازال يقاوم كغريق يصارع امواج عاتيه وكلما هم بالاستسلام
أمد اليه يدا هزيلة لاتقوى على انتشاله
ولا تتركه للغرق
أتدرين ما المشكلة؟
المشكلة أن الذين تحولوا بالكامل كحضرة الباشا الضابط والذين يخوضون معركتهم الاخيرة ومازلوا يقاومون كعماد كلاهما لا يحب الاختلاف
المختلفون يعرون المجتمع
يكشفون زيفه وزيف قوانينه
يفضحون تناسقه المزعوم
يضعهم الاختلاف امام المرآة فيلمحون انعكاس الحقيقة على وجهه
واضحة
صريحة
تخبرهم انه ليس صحيحا أن كل شئ قابل للتسعير كما زعموا
وان المنح بلا مقابل جائز وممكن وانه ازكى للروح واطهر
وأن أشياء كالتضحية والنبل والايثار لا يمكن قياسها حقا لكن هذا لا ينفي كونها حقيقية وموجودة ومهمة لمواصلة الحياة كبشر
وأن تضييع العمر في عمل لا نحبه خطأ فادح حتى ولو كان لأجل المال
وان الحياة ليست سباقا ندهس في سبيله كل شئ ولا ينبغي أن تكون
الاختلاف مزعج يا مدن لذا فإننا نعمد الى نبذ المختلفين
إما عن طرق نعتهم بالجنون
أو الخيانة
أو الهوس
وإما عن طريق صلب أحلامهم البريئة على جدران المعتقلات كما يفعل حضرة الباشا الضابط
وليس من المهم أي طريقة سنتبعها لنبذهم
لكن المهم ألا يذكرنا أي أحد أن انسانيتنا تتلاشي
في نقاش قديم مع صديقي ابراهيم الذي استثنيته مؤقتا من قاعدة ان كل الاثرياء أوغاد بالضرورة
حين اعترض على قولي بأن المجتمعات الحديثة لا تقبل الاختلاف لم يفهم ما أعنيه بالاختلاف
انا لم أقصد أن هذه المجتمعات لا تقبل وجود الثوري والاصلاحي و اليميني واليساري جنبا الى جنب
ليس هذا ما عنيته
لكن ما عنيته وقتها ان تلك المجتمعات تمتلك قالبا نموذجيا لكل نمط من انماط الحياة
هناك قالب الثوري
وقالب المناضل
وقالب المفكر
وقالب العاشق
وحتى الفاشل له قالب ينبغي ألا يحيد عنه
وحيث انها مجتمعات استعراضية
يستمد المرء فيها رؤيته لنفسه من آراء الآخرين
لذلك فإنه لا يستطيع التصرف خارج توقعاتهم
كما أنه يخشى تعليقاتهم السلبية عليه
وبالتالي فهو يخاف أن تظهر غرابته أمامهم
يخاف أن يتم نبذه بقسوة
ويسعى نتيجة هذا الخوف لمحاكاة النموذج المتفق عليه
وفي سبيل هذا السعي فإن الانسان مع الوقت
يتلاشى
تختفي ملامحه
ولا يتبقى منه سوى ما يريده المجتمع ويوافق عليه
.لا يتبقى منه سوي ما يرفع كفاءته كعنصر من عناصر الانتاج .
سامحيني يا مدن
أعلم انني لا ينبغي لي أن أواصل ازعاجك بمثل هذا الكلام السخيف في كل رسالة
لكن هذا ما يحدث حين احاول الهرب من وطأة ذلك السؤال الممض الذي أطبق فكيه على روحي بلا رحمة
لماذا انت لست معي الآن يامدن؟
وكالعادة سأبقى على ذلك الامل الخافت في أن أحصل على إجابتي قبل الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد
مساءك سكر
عندما قرأ عماد مذكراتي ( وهو الوحيد الذي اطلع عليها بالمناسبة إذا تجاهلنا تلصصات امي الصامته عليها)
أعادها لي قائلا باستنكار : هذه ليست مذكراتك ولا قصتك هذه قصة مدن .
رددت عليه مستنكرا استنكاره : أهناك فرق؟
أجابني بضيق : انت تبالغ جدا يا وليد .. لا أحد يمتزج بأحد الى هذا الحد ..لا أحد يموت لفراق أحد يا وليد .. انت مجنون حتما
أجبته بهدوء : تقصد لا أحد يدفن لفراق أحد ..
الدفن..
الاعتراف بالموت فقط هو الذي يتاخر ..
لماذا تصر على الانكار؟
انت نفسك مت بعد رحيل والدك
او على الاقل مات معظمك
نظر الي نظرة ملتاعة مصدومة كأنما نظر فجأة في المرآة فلم يجد إلا نصف جسده!
وابتلعنا صمت طويل ممتد
مأساة عماد يا مدن أن الغربة قد فرمته إلا قليلا
وهذا القليل مازال يقاوم كغريق يصارع امواج عاتيه وكلما هم بالاستسلام
أمد اليه يدا هزيلة لاتقوى على انتشاله
ولا تتركه للغرق
أتدرين ما المشكلة؟
المشكلة أن الذين تحولوا بالكامل كحضرة الباشا الضابط والذين يخوضون معركتهم الاخيرة ومازلوا يقاومون كعماد كلاهما لا يحب الاختلاف
المختلفون يعرون المجتمع
يكشفون زيفه وزيف قوانينه
يفضحون تناسقه المزعوم
يضعهم الاختلاف امام المرآة فيلمحون انعكاس الحقيقة على وجهه
واضحة
صريحة
تخبرهم انه ليس صحيحا أن كل شئ قابل للتسعير كما زعموا
وان المنح بلا مقابل جائز وممكن وانه ازكى للروح واطهر
وأن أشياء كالتضحية والنبل والايثار لا يمكن قياسها حقا لكن هذا لا ينفي كونها حقيقية وموجودة ومهمة لمواصلة الحياة كبشر
وأن تضييع العمر في عمل لا نحبه خطأ فادح حتى ولو كان لأجل المال
وان الحياة ليست سباقا ندهس في سبيله كل شئ ولا ينبغي أن تكون
الاختلاف مزعج يا مدن لذا فإننا نعمد الى نبذ المختلفين
إما عن طرق نعتهم بالجنون
أو الخيانة
أو الهوس
وإما عن طريق صلب أحلامهم البريئة على جدران المعتقلات كما يفعل حضرة الباشا الضابط
وليس من المهم أي طريقة سنتبعها لنبذهم
لكن المهم ألا يذكرنا أي أحد أن انسانيتنا تتلاشي
في نقاش قديم مع صديقي ابراهيم الذي استثنيته مؤقتا من قاعدة ان كل الاثرياء أوغاد بالضرورة
حين اعترض على قولي بأن المجتمعات الحديثة لا تقبل الاختلاف لم يفهم ما أعنيه بالاختلاف
انا لم أقصد أن هذه المجتمعات لا تقبل وجود الثوري والاصلاحي و اليميني واليساري جنبا الى جنب
ليس هذا ما عنيته
لكن ما عنيته وقتها ان تلك المجتمعات تمتلك قالبا نموذجيا لكل نمط من انماط الحياة
هناك قالب الثوري
وقالب المناضل
وقالب المفكر
وقالب العاشق
وحتى الفاشل له قالب ينبغي ألا يحيد عنه
وحيث انها مجتمعات استعراضية
يستمد المرء فيها رؤيته لنفسه من آراء الآخرين
لذلك فإنه لا يستطيع التصرف خارج توقعاتهم
كما أنه يخشى تعليقاتهم السلبية عليه
وبالتالي فهو يخاف أن تظهر غرابته أمامهم
يخاف أن يتم نبذه بقسوة
ويسعى نتيجة هذا الخوف لمحاكاة النموذج المتفق عليه
وفي سبيل هذا السعي فإن الانسان مع الوقت
يتلاشى
تختفي ملامحه
ولا يتبقى منه سوى ما يريده المجتمع ويوافق عليه
.لا يتبقى منه سوي ما يرفع كفاءته كعنصر من عناصر الانتاج .
سامحيني يا مدن
أعلم انني لا ينبغي لي أن أواصل ازعاجك بمثل هذا الكلام السخيف في كل رسالة
لكن هذا ما يحدث حين احاول الهرب من وطأة ذلك السؤال الممض الذي أطبق فكيه على روحي بلا رحمة
لماذا انت لست معي الآن يامدن؟
وكالعادة سأبقى على ذلك الامل الخافت في أن أحصل على إجابتي قبل الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد