Social Icons

الرسالة السادسة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
آه يا مدن كم أنا مثقل بالهم!
لو أن هناك سبيلا لأخبرك كم أورثني غيابك من أسى !
أعلم أن ثمة أشياء لاسبيل للبوح بها ولكني أشعر أن  كل تلك الأشياء اجتمعت  في قلبي وحدي دون الناس
تعلمين يا حبيبتي أن المرء لا يستطيع العيش بين الناس دون حد أدنى من التوقعات
ولعل هذا ما أراد خيري بشارة قوله في فيلم إشارة مرور في مشهد ضرب عماد رشاد على قفاه فجأة وبلا مبرر ولعله أيضا يشرح هذا الكم الكبير من الحزن الذي اعتراه
يتوقع المرء حين يمشي في الشارع ألا يعتدي عليه احد وإن حدث هذا فلابد أن يكون استثناءً ياسارة  وإلا استحالت الحياة بين البشر .
لكن ما العمل إذا كان كل ما يتوقعه المرء لا يحدث
البته
كل ما يراه مهما يراه الناس تافها
وكل ما يراه جميلا يراه الناس بلافائدة
وكل ما يراه ضروريا يراه الناس محض رومانسية ساذجة
أي حياة ترجى في هذا الوضع!
هل يمكن أن تكون الوحدة أكثر من ذلك الشعور بـالـ.. بتر ؟ وكأنك عضو مبتور من جسد
له نفس الصفات الوراثية
وله نفس لون البشرة
بيد أن كل سبيل للوصل بينهما قد قطع
الشرايين
الأوردة
الاعصاب
كل شئ تم تمزيقه بمهارة واقتدار
يقول إبراهيم لعماد وهو يحثه على تجاوز مأساة موت أبيه  : حاول أن تنسى
فيجيبه عماد بحيرة صادقة : وماذا لو أن قلبك يرى كل محاولة للنسيان وكأنها محض خيانة؟
لم أفهم أبدا يامدن أولئك الذين يتحدثون عن النسيان وكأنه أمر خاضع للرغبة أو للإرادة
قد أتفهم أن ينسى المرء ماذا حدث في زيارته لطبيب الأسنان
أو في محل الأحذية
أو عند نبيل الحلاق
لكن ماذا عمن تغلغلوا في جميع تفاصيل الحياة ولحظاتها؟
ماذا عن الذكريات التي حفرت أخاديد وانهار وآبار في أعمق أعماق الروح؟
تلك الذكريات التي يصطلي القلب بلهيبها كلما هبت ريح محملة برائحتها
حين أسمع ذات لوعة أغنيتك المفضلة
حين أهم بارتداء القميص الذي أثار إعجابك ذات بهجة
حين تطل عليَ من المرآة صورتك التي سكنت بؤبؤ عيني منذ الأزل
إننا لا نقوى على النسيان ولا نرغب فيه
إن الاحبة والراحلين قد تركوا لنا في كل تفصيلة من تفاصيل حياتنا جزء منهم
فإن نحن نسيناها ماذا إذن سوف يتبقى لنا
أتعلمين !
لقد خطر لي الآن سؤال مهم
ماذا لو أن الحياة سارت بعكس الإتجاه؟
كما حدث مع بنجامين بتون في رواية  فيتزجيرالد  "ذا كيوريوس كيس اوف بنجامين بتون"
أن نولد كهولا بقامات محنية تحت وطأة الآثام والأحزان واليأس ثم تنفرد هاماتانا ونتخفف من حملنا رويدا رويدا في طريقنا نحو الشباب والطفولة
أن نكتسب البراءة خلال الرحلة بدلا من أن نفقدها
أن تكون الطفولة هي محطة الوصول لا الإنطلاق
حيث الدهشة الطازجة ذات الأسئلة المستأنسة القانعة الراضية بدلا من تلك الاسئلة المتوحشة التي تنهشنا في حياتنا الحالية
أن تبدأ العلاقات بالفقد والحنين ويهون علينا الأمر معرفتنا أننا بعدها سنجد الغائبين ونعثر عليهم
ثم نصل الى المرحلة التي لم نكن نعرف فيها بعضنا فتنمحي الذكري من وجداننا بخفة وهدوء دون أن نتعذب بما يخلفه الفراق في حياتنا الحالية من بقايا حياة الراحلين
ما رأيك يا مدن
ألن تكون تلك الحياة أجمل  أو أقل بؤسا على الاقل
ألا يكفي أنني في مثل تلك الحياة لن أضطر لتكرار ذلك السؤال الموجع الممض
لماذا يامدن؟
لماذا أنت لست معي الآن؟
يبدو انه لا امل في الإجابة حتى هذه اللحظة فإلى اللقاء في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي