Social Icons

الرسالة الثانية والعشرون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر كالمعتاد
كنت سأكتب الجملة السابقة كالتالي :
( مساؤك سكر كما يليق بك)
لكنني فكرت أن لاشيء يليق بك في هذه الدنيا .. الدنيا
أنت لا تنتمين إلى هذا العالم يا مدن
إذا كنا نحن نعيش داخل كهف أفلاطون فأنت تعيشين هناك بالخارج في عالم المثل والكمال المطلق
مذ رأيتك يا مدن لم اعد اعرف معنى الوحدة
أصبحت تسكنينني طوال الوقت
أعيش بك
ومعك
ولك
في أجمل مشاهد الفيلم العبقري ( الحاسة السادسة)  يجلس الطبيب النفسي (البطل) مع الطفل المريض الذي يشاهد الاموات ويسأله : متى تشاهدهم ؟؟ أثناء النوم؟؟
فيجيبه الطفل بمنتهى التأثر : طوال الوقت
وفي نهاية الفيلم يكتشف الطبيب انه شخصيا ميت منذ سنوات وانه احد الأموات الذين يشاهدهم الطفل طوال الوقت في مفاجئة مرعبة وعبقرية تجبر المشاهد بعد نهاية الفيلم أن يتحسس جسده ويتساءل أتراني مازلت حيا بالفعل أم أنني ميت منذ أمد ولا ينقصني سوى اكتشاف ذلك
مذ رأيتك يا مدن وأصبحت مقياس الأنوثة والجمال بالنسبة لي
فأقول هذه شعرها  أقصر من مدن وتلك عيونها أضيق من عيون مدن
قبل يومين كنت أشاهد فيلم ( بنتين من مصر) الذي يعالج مشكلة العنوسة
الفيلم  جميل ومؤثر قصةً وإخراجا وتمثيلا
والعنوان نفسه شديد الإيحاء
بنتين من مصر .. الم يكن هذا اختبارا كافيا ؟؟
ماذا لو كانتا بنتين من ألمانيا مثلا ؟؟ أكانت العنوسة تسبب لهما كل هذا الألم ؟؟
ذكرني الفيلم بزميلتي في العمل السابق
الآنسة قمر .. هكذا تحرص على تقديم نفسها مع الضغط على حروف كلمة ( الآنسة)
كانت في أوائل الثلاثينات عندما التحقت بالعمل قبل ثمان سنوات
فتاة عادية جدا ليست بالجميلة وليست بالدميمة
ليس لديها ما يمنع من الزواج
لاشئ سوى النصيب
كانت الآنسة قمر تتظاهر طوال الوقت أنها على ما يرام وان تأخر الزواج لا يقلقها
وكانت طوال الوقت تفشل في ذلك
عندما كان يصلها خبر عن خطبة فلانة أو علانه
كانت تجاهد  لإخفاء مشاعر الغيرة والحرج
لكنني كنت دوما المح بوضوح ذلك التساؤل يطل  من عينيها
ما الخطأ ؟؟
ما هو العيب الخطير الذي يجعل الرجال يتخطفون كل البنات من حولي ويتجاوزنني؟؟
كانت متوترة و محتارة
تارة تتحجب وتارة تخلع الحجاب
تارة تتباسط مع زملاءها الرجال وتارة تنزوي وتضع الحدود والقيود
جربت كل شئ
لكن لم يفلح أي شئ
في الوقت الذي كان يلومها الناس فيه
كنت أنا أشفق عليها وأتعاطف معها وأدعو لها في صلواتي
كنت أدرك مدى هشاشتها وضعفها
كنت أثق أنها ليست فتاة سيئة  أو ذات سلوك مشين
غاية ما في الأمر أنها تتمنى أن تتزوج
ليس حبا في الزواج
بقدر ما هو هربا من نظرات جاراتها التي تخترقها في الذهاب والإياب
هربا من ابتسامات زميلاتها اللزجة وألسنتهم التي تنهشها ليل نهار
تتمني أن تتزوج لأنها لم تعد تتحمل شعور أمها بالخجل كلمها سألها أحدهم عن الآنسة قمر
ولم تعد تطيق سماع جدتها وهي تمصمص شفاهها كلما مرت من أمامها الآنسة قمر
ولم تعد ترغب في سماع هذا اللقب الكريه كسبه ( الآنسة قمر)
كنت اشعر بكل ما تعانيه قمر وأدرك أن لا حل لها سوى بالزواج
لأنها كبطلتي الفيلم
لأنها من مصر
لأنها تعيش في مجتمع يحمل المرأة وزر كل ما  يحدث لها
إذا تحرش بها رجل فهي المخطئة
وإذا طلقت بعد الزواج فهي المخطئة
وإذا فاتها قطار الزواج في المخطئة
كانت هي أيضا  تدرك كل هذا فلم تبدد ألمها في الشكوى والتظلم والندب
وكنت أود أن اخفف عنها
ا ن أهون عليها وأساعدها
أن اخبرها  أن الحياة الناقصة والفرص الضائعة أفضل من الحياة المكتملة وتحقيق الأهداف
الفرص الضائعة أجمل وأكثر إثارة لأنها تترك الحرية للخيال وتحافظ على بقايا الامل
أما الأهداف فمحددة النهاية ومكتملة وما يكتمل يفقد جماله ويذوي ويذبل
الحب يكتمل بالزواج فيذبل
والشوق يكتمل باللقاء فتكتشف أن من اشتقت إليه ليس كما تصورته
والأحلام تكتمل وتتحقق فتصبح أبشع من الواقع
الجمال والإثارة يختبئان فقط في القصص الناقصة والأحلام غير المكتملة والأهداف التي لا نصل إليها أبدا
الجمال والإثارة يختبئان في الفرص الضائعة
انا لا أخشى على حبنا شيئا سوى من الاكتمال يا مدن
لكن دعينا نتوقف عن الحديث عن الانسه قمر وننهي هذه الرسالة الآن قبل أن أتفوه بكلمات قد أندم عليها والى لقاء في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها

المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي