Social Icons

الرسالة الثانية والاربعون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
تمر الايام والشهور
تفوت السنوات تلو السنوات
يتلاشى العمر أمامنا كشهاب يحترق ولاشئ  يزيد سوى تلك الأشياء التي كنا نتمنى لو فعلناها
القرارات التي أجلتها حيرتنا وترددنا  وجبننا حتى فات أوانها
الهوايات التي لم نمارسها خوفا من كلام الناس
الأشخاص الذين تركناهم لدوامة الغياب تبتلعهم حفاظا على كبرياء زائف
ما الذي منعنا من التمسك بهم كما ينبغي ؟
كما يتمسك الاطفال بكفوف امهاتهم في الاسواق
لو أنا حتى أتـقـنَـا الوداع ؟
عندما أنقذ فورست جامب صديقه بوب من النيران في الحرب
وبينما بوب يحتضر قال له فورست (هاي بوب)
شعر فورست بعدها بالندم وقال انه لو كان يعلم انها المرة الاخيرة لكان قال شيئا آخر
شيئا أكثر أهمية
لا بأس
أظن أنه كان سيندم على أية حال
مهما كانت الكلمة التي قالها
كل الكلمات تبدو أقل أهمية ساعة الوداع يا مدن
كل الكلمات
لاشئ يناسب الوداع سوى الحضن
هو الوحيد القادر على تخفيف الندبة التي يخلفها الوداع في الروح
لماذا لم تمنحيني ذلك الحضن قبل غيابك يا مدن؟
أليس هناك وسيلة لمتحينني إياه الآن؟
ثم تغيبين من جديد
في أحد لأفلام الامريكية قابل البطل حبيبته بعد عدة أيام من مشاجرتهم معا
فلم تتذكره!
لم تكن تتظاهر بذلك
كانت حقا قد نسيته تماما
فكرت وأنا أشاهد الفيلم تلك الأغنية التي قلت لي مطلعها فأكملته لك
لم تصدقيني  وقتها حين اخبرتك أنني لم أسمعها من قبل
لا أدري ما علاقة ذلك الموقف بهذا الفيلم لكنني تذكرته
تذكرت أيضا اننا لم نتشاجر قط  قبل غيابك
فكيف نسيتني إذن؟
ومتى؟
ولم؟
اندهش البطل من موقف حبيبته ولم يصدق انها نسيته بهذه السرعة
ثم اكتشف أن طبيبا في المدينة يستطيع محو الذكريات ليمنح عملاءه حياة جديدة
وعندما سأله عن حبيبته أخبره الطبيب أنها أرادت فقط أن تنطلق
أنا أيضا اريد أن انطلق يامدن
تتسرب الأيام من بين أصابعي كحبات رمل ساخنه وانا قابع في نفس البقعة لا ابرحها
أحاول الهرب
أعدو بكل قوتي
أعدو
وأعدو
وأعدو
فاكتشف أني أسير نحو الأسفل
كل الطرق بعدك منحدرات زلقة ودائرية تعيدني الى نفس المكان
تعيدني إليك
عندما قرر البطل ان يمحو ذكرى حبيبته هو ايضا طلب منه الطبيب أن يجمع كل ما يخصها في حياته
الملابس
الهدايا
الاشعار التي كتبها لها
الصور
كل ما قد يذكره بها يجمعه في صندوق ويحضره للطبيب
تخيلت نفسي في نفس الموقف فشعرت وكأنني كنت اخشى هذا المصير فخبأتك في كل ثنايا حياتي
وجدتك تختبئين بين اصابعي
خلف اذني
في ذلك الثقب الذي حشاه الطبيب في ضرسي
أسفل ضحكتي
تحت جفوني
في تجويف حرف الحاء من إسمي
وراء شجرة الياسمين في حديقتنا
في حقيبة أمي
خلف برواز صورة أبي
وجدت أن علي أجمع حياتي كلها واضعها في ذلك الصندوق
أو..
أو اطلب من الطبيب أن يقتلني أسهل
ثم فكرت أنني لا أريد أن امحوك من أوراق ذاكرتي
وأنني فقط أريد إجابة لذاك السؤال الثقيل كشعور اليتم
لماذا يا مدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟
فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة؟
هذا طبعًا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها.

المخلص لك دائمًا
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي