Social Icons

الرسالة الحادية والاربعون : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
اوشكت على اليأس من استعادة قدرتي على الكتابة يامدن
شهور طويلة مرت ولا شئ يحدث لي سوى أني ازدحم بالكلمات والاسئلة فأتضخم
حاولت
حاولت مرارا
ولكنني في كل مرة امسك الورقة والقلم
أجد الكمات كلها مكررة ومعادة
ككل تفاصيل الحياة بدونك
نفس الحزن
ونفس الالم
ونفس الغربة والضياع
كل ليلة بعد ان يتوسد الناس أحلامهم التي لا تتحقق
تخرج إلي وحدتي من ذلك الثقب الغائر الذي خلفه غيابك في روحي
تخرج كمصاص دماء هائل يقتات ليلا على أعصابي وشراييني وانفاسي
توصد كل مسام الكتابة لدي فأبتهل إلى الله أن يمن علي بالفرج
أدعوه أن يحلل عقدة لساني
لكنني
أقول في نفسي لا بأس لا تستعجل الحزن
سيفيض في أوانه

بالامس استعرت هاتفا نقالا من ابراهيم واثناء تصفحي للأسماء المسجلة عليه
استوقفتني كلمة ( بابا)
نطقتها ببطء وصوت مسموع كأنني أتذوقها على طرف لساني
اصابتني بغصة مريرة في حلقي
لم يتح لي أسجل اسم "بابا" على هاتفي
لم يحمل أبي في حياته هاتفا نقالا
الحق ان أشياء كثيرة لم يتسن لأبي أن يفعلها
لم يعش في الاسكندرية كما كان يتمنى
ولم يتعلم عزف العود
ولم يتزوج الفتاة التي أحبها
وطوال عشرين سنة عشتها معه لم أضبطه مرة وحيدة متلبسا بفرحة
لم يكن ذلك بسبب ضيق الوقت او ضيق الحال أو اي ضيق
الحزن كالموت لا يحتاج لأسباب مقنعة كي يجثم على الصدور
هو يحدث لأنه يحدث
هكذا بمنتهى البساطة
أتعلمين؟!
من رحمة الله تعالى بالبشر ان هناك غلالة رقيقة تغلف وجه الحياة فتحجب حقيقتها عن الناس وتحفظ لهم قدرتهم على اقتناص بعض لحظات الفرح
لكن البعض تصيبهم لعنة ما تجعلهم يخترقون تلك الغلالة
ينظرون مباشرة الى وجه الحياة الحقيقي القبيح
يبصرون قسوتها وبشاعتها وزيفها
كذلك كان أبي
ذلك العابد الزاهد الاسمر الرقيق
صاحب الابتسامة الحنون الواهنه التي تفضح حزنه أكثر مما تداريه
" ماذا بك"
يسأل إبراهيم ذلك السؤال القصير الماكر
فتقذفني الحروف الست بقسوة الى سراديب الوجع العميقة الملتفة حولي كشرنقة من فولاذ او كزنزانة بقفل صدئ ضاع مفتاحه منذ الف عام ويومان
ماذا بي؟
بي وجع يختبئ خلف كل شهيق
بي وطن لم يعد وطن
بي قهر الذين غرقوا في العبارات وقهر الذين نجوا
بي أنين كل الذين رأيتهم يتألمون ولم أفعل لهم اكثر من مصمصة الشفاه وبضع كلمات وفي بعض الاحيان القليلة دمعتان
بي خذلان كل من وثقنا بهم واودعنا لديهم احلامنا
بي خيبة امل تتمدد في صدري و لا يقوى شئ على نزعها
بي قلق أبدي آت من ماض خاو يتسكع باستهتار عاهرة  نحو مستقبل يعد بالمزيد والمزيد من اللاشئ
بي  دماء تسيل بلاسبب عادل
بي امهات ثكلي واطفال يتامى وآلاف المعتقلين
بي جشع الكل تجاه الكل
بي هذا العالم
بي فقر أمينة المزغودة و بؤس خالتي ثريا
بي غربة عماد وموت أبي ووحدة امي ومرضها
بي غيابك مدن
بي غيابك
.......
ها انا قد كتبت
هاهو الفيضان آت
...............
"لم كل هذا الحزن  رغم  انك تعيش حياة مريحة"
سأل ابراهيم أيضا لكنه كان يسأل عماد هذه المرة
سحب عماد نفسا طويلا من سيجارتة و اخرجه ببطء ثم القى بعقب السيجارة على الارض ودهسها بطرف حذاءه بغل
ثم حكى لنا عن امرأة انجليزية كانت تشتكي لصديقتها من انتشار الخبز البولندي وغياب الخبز الانجليزي في مدينتهم ولما سألتها الصديقة هل هو سئ؟ أجابت السيدة بالنفي وقالت بالعكس مذاقه لذيذ ولكنه ليس خبزنا
رجع عماد بظهره للوراء ونظر للسماء ثم أضاف بانجليزية متقنه ( اتس نوت أورز ذاتس ذا بوينت)
ثم نظر في عيني وقال بنبرة محبطة : ذلك حال المغتربين يعيشون حياة مريحة لكنها ببساطة ليست حياتهم
- ترى ما هي حياتنا يا وليد ؟
اطرقت الى الارض
لفنا صمت ثقيل
  احتضنته
بكينا
لكنني الى الان مازلت أبحث عن إجابة لسؤاله
ترى ماهي حياتنا يا مدن؟
إسمعي
قد أتنازل عن اجابة هذا السؤال
لكن ماذا عن إجابة السؤال الأهم
لماذا يامدن؟
لماذا انت لست معي الآن؟

فهل هناك أمل أن أحصل عليها قبل رسالتي القادمة؟
هذا طبعًا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها.

المخلص لك دائمًا
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي