Social Icons

الرسالة الثالثة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل

الرسالة الثالثة والثلاثون : وليد حمدي اسرائيل
عزيزتي مدن
مساءك سكر
حسنا ياحضرة الباشا الضابط
عليك أن تدرك أن هناك أشياء لا يسعنا فهمها بالعقل وحده
فمثلا حين رفع قلبي رايات الاستسلام امام إغواء سحرها كان علي فقط أن أصدقه لا اكثر ولا أقل
لماذا استمر في إرسال رسائل لا أتلقى ردا عليها ؟
لماذا برأيك؟
ألأمنحك التسلية التي تبحث عنها كي تؤجل اعتقالي ؟
سؤال (لماذا) حين يرد في سياق الحب ياحضرة الباشا الضابط تصبح كل اجاباته كاذبه
في البدء كانت رسائلي اليك يا مدن مجرد تعبير عن الحب
تواصل
فضفضة
محاولة لقضاء اطول فترة ممكنة معك
أما وقد وصلنا لهذا الحد فقد اصبحت كل حياتي
دقها وجلها واولها وآخرها ماعلمت منها وما لم أعلم
وامست الحياة كلها لا تعني ليس أكثر من نوعين من الاشياء
أشياء تستحق ان تحكي لك في رسائلي
وأخرى لا تستحق
كما بدأت أكون أكثر انتباه وأشد ملاحظة كي لا أفوت أي تفصيلة يمكن ان ارسلها لك
واكتشفت جراء ذلك أن كل ما يحتاج المرء أن يتعلمه فإن الحياة ستعلمه إياه
شريطة أن يحسن الاصغاء
لأن من لا يحسن الاصغاء لهمسات الحياة فإنه يدفعها لأن تصرخ في وجهه أو . . تلطمه
صحيح أن الامر لا يكون بالسهولة التي أصورها
وأن عدم الاستماع للهمسات لا ينجم دائما عن سوء الاصغاء بقدر ما يكون
رغبة خفية في عدم التصديق
وأملا ضئيلا في ألا تكون الحياة بهذه القسوة واللامبالاة
لكن ما يحدث في العالم الآن يشي بأن هناك سوء اصغاء وتجاهل عظيم ليس فقط لهمسات الحياة ولكن لصراخها أيضا
أنا لا أحب هذا العصر يا مدن
لا أحتمله
لا احتمل ان يتحول كل شئ الى إما بيع وإما شراء
أن تتحول الدنيا لسوق هائل بشع يبتلع الناس كثقب أسود
في الغرب يقولون أن الطبيب النفسي ان هو الا صديق مدفوع الاجر
لايوجد صديق مدفوع الاجر يا مدن
كما لا يوجد دائرة مربعة ولا مثلث مستطيل لايوجد صديق مدفوع الاجر
جنون
لقد أصيب العالم بالجنون
قبل أمس كنا في ذلك المكان البغيض المسمى ( كارفور)
عماد وجودي وأنا
أثناء خروجنا سمعت جودي تقول لأبيها : انت كل حاجه تقولي عليها لأ
لفت نظري أن كان بيدها حقيبة بها ما لا يقل عن عشر أنواع من الحلوي والبسكويت لكنها كانت مستاءة وفكرت أنه رغم كل ذلك كانت المسكينة على حق
ففي المقابل رفض أباها  شراء عشرات الالعاب والحلوى والشيكولاته
عندما أقارن ابناء هذا الجيل بجيلي أجد أنهم مساكين
حقا مساكين
لقد كنت أحاول أن انفق الجنيه الذي أحصل عليه من أبي لدى عم جلال ولا أستطيع أن انفقه كاملا أبدا  إذ كان أقصى ما يحتويه دكانه نوعان  من البسكويت والبونبون ولم يكن لديه شيكولاته ولا عصائر من الاصل
ورغم ذلك كنت اخرج من عنده وكلي بهجة وفرح وقد اشتريت كل ما طالته يدي
أما جودي المسكينة فكيف تشعر بالرضا وقد تركت واراءها المئات والمئات من الحلوى والالعاب
وحتى لو جن ابوها واشترى لها كل ما ترغب فيه متى ستجد الوقت لتذوقه؟
وأي معدة وأي أسنان ستتحمل هذا الكم؟
وعندما تنتهي من تذوقها كلها هل ستتذكر مذاق كل منها وتستطيع أن تحدد أيها أعجبها أكثر أم أنها ستكون في حاجه للتجربه مرة ثانية وثالثة وألف في دائرة ملعونة لا فكاك منها ؟
هل أسدت لنا الحداثة معروفا يامدن عندما أطلقت علينا هذا الشلال الهادر من الاختراعات والاكتشافات  أم أنها ألقتنا في غيابة جب عميق من المفاضلات والخيارات والمساومات والقلق والحيرة والتردد والنهم حيث يظل المرء حبيس رغبة محمومة في الوصول للأفضل الذي لا يأتي أبدا لأنه ببساطة لم يجرب كل شئ
يقول لنا الاقتصاديون أن الاختراعات تتزايد لأن الحاجات الانسانية من طبيعتها أن تتكاثر وتتزايد وتتطور باستمرار لكنهم لم يقولوا لنا لم علينا علينا أن نستجيب لهذا التزايد بدلا من أن نكبح جماحه ؟
لماذا لانصدق أنه لا سبيل أمامنا للسيطرة على الطبيعة وانها تجرنا خلفها بقضيب من الصلب وأن الفجوة بيننا غير قابلة للرتق واننا لا نجني من الاسراع إلا اللهاث وتعجيل النهاية؟
ولماذا لا ينقل حضرة الباشا الضابط بعض اسئلته من الحب الى الاشياء الأخرى؟
لماذا لم يسأل نفسه مثلا : لم علي أن أمتلك سيارة تتسارع من الصفر الى المائة فقط في تسع ثوان ؟
ألهذا علاقة بشعور مضمر أننا نعيش في سباق ما ؟ حيث يلهث المرء وتنقطع أنفاسه فقط من أجل أن يظل في مكانه ولا يتقهقر.
أعلم يا حضرة الباشا الضابط  أنك تقول الان متسائلا : كل هذا من اجل حديث طفلة لأبيها؟
لا عليك يا مدن فكما تعلمين أنا لا أمل عندي في أن يفهم والمهم أنك تفهمين
أما ان كان لديك أنت يا حبيبتي أية أسئلة فسأجيبك عنها ما استطعت الى ذلك سبيلا
لكن لندع ذلك للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي