Social Icons

الرسالة الثالثة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
يقتلني عجز اللغة يا مدن
المشاعر المحبوسة بداخلي تزأر بغضب
تخمش أضلاعي بمخالب طائر اسطوري محبوس في قفص
أتدرين اني لم أرض أبدا عن أيا من الرسائل التي أكتبها لك؟
كيف أصف لك كم أحبك
كم أهواك
كم اشتاق للذوبان فيك
للتلاشي بك
أفكر جديا أن أضع قلبي ( هنا ) كي تفهمي ما أعنيه
لكنني أتراجع في النهاية كالعادة وابرر تراجعي بأنني أخشي أن أتعدى على ما لا أملكه
أعلم أني اكذب
واصدقني
أصبح اطفال القرية الاشرار يتعاملون معي على أني مجنون يا مدن
يتجنبون المرور بجواري
وكلما مررت بهم يتهامسون ويشيرون الى ثم يضحكون
ترى هل أخبرتهم أمينة المزغودة بسري
كنت اقف في غرفتي معطيا ظهري لباب الغرفة وامارس طقسي المعتاد
العن الفراغ والخواء الذي يزاحمني في الغرفة
اسب اللاشئ الذي يعبق المكان بألفاظ شديدة البذاءة والسوقية
(لا أستطيع ان أصف لك يا مدن مدى الراحة والطمأنينة التي تعتريني بعد هذا الطقس الممتع)
ثم التفت لأراقب ملامحي في المرآة وهي تتحول بعد هذا الكم من السباب لملامح سائق ميكروباص محترف
ففوجئت بالمزغودة واقفة خلفي تضع يدها اليمني على خصرها وتضع سبابتها اليسرى على شفتها السفلى قبل تقول بدهشة وهي ترفع حاجبها الايمن : مسم . . اللهم احفظنا.. بتشتم مين يا سي وليد
نظرت لها نظرة شريرة كنظرات زكي رستم في رصيف نمرة خمسة ثم قلت بنبرة مهددة : لوحد شم خبر باللي شفتيه دلوقتي هدبحك
ثم صرخت بقوة هادرة : امشي اطلعي برررة
ففرت مرعوبة
وظلت تخشى التعامل معي من بعدها وحتى واقعة الفأر المخزية
لابد انها انتقمت مني بعدها بسبب الرعب الذي سببته لها
أم انه نبيل الحلاق الغبي الذي يمسكني من أنفي ينتقم مني بعدما سببته أمام زبائنه وتركت له المحل
هل يمكن أن يصور له غباؤه ان تلك الواقعة كان من اعراض الجنون
كانت هناك ذبابة ضخمة تحط على المرآة أمامي اثناء الحلاقة وعندما هم نبيل بقتلها مستخدما مجلة قديمة صرخت فيه بفزع وطلبت منه الا يفعل
فسألني باستغراب : بتقرف؟
فقل له بعفوية شديدة : مش الفكرة .. بس شكلها حامل
بعد ان سمع اجابتي تطلع في بدهشة قرابة الدقيقة ثم أبعد الامواس والمقصات من امامي وبدأ من بعدها يعاملني بحرص وحذر حتى يوم مشاجرة صباح البنهاوي
هل يكون هو؟
لا أدري
على كل ٍ أنا لا أغضب من اتهامي بالجنون بل على العكس
فهذا يعني أنني مختلف عن القطيع ومتميز ولا بأس أن يفسر الاغبياء الذين يحيطون بي هذا الاختلاف على أنه جنون
أقول لعماد أثناء تجوالنا على حدود القرية
ان الاختلاف والتفرد هو الحياة
هو قيمة الانسان
وفجأة يقتحم خلوتنا شريف الوكيل شقيق سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة و يقطع حبل افكارنا بلزوجته المعهودة
دائما ما يظهر هذا الوغد في الاوقات الغير مناسبة كعطسة تداهمك أثناء السجود فلا تدرين من أي مكان خرجت !
عم جلال البقال يسميه شريف أنبوبة لأنه على حد قوله كالأنبوبة لا ينفد الغاز منها الا ونحن في أمس الحاجه لها
سلم شريف على عماد وبدأ يمشي معنا
الوغد السمج يتعامل مع عماد على أنه ثري عربي ويريد أن يشاركه في أي (مصلحة) حسب تعبيره
عندما بدأ يعرض افكاره التجارية سئمت منه وشعرت برغبه عارمة في قتله خنقا
القتل خنقا من أفضل الطرق للانتقام من الاوغاد ولإفراغ الرغبة العدوانية الكامنة في الانسان
شعرت بالراحة تغمرني وانا اتخيل وجهه المحتقن وهو يتحول رويدا رويدا الى اللون الازرق وزراعاه يجدفان في الهواء بلا طائل قبل ان تخمدان ببطء وتسقطان بجواره ويرتاح العالم من شروره وسماجته
أفقت من شرودي على ضحكته السخيفة وهو مازال يحكي لعماد عن افكاره التجارية الخطيرة
ولما كنا في مكان مكشوف فقد اكتفيت بان تظاهرت بالتعثر في الارض ودفعته بكل قوة فسقط في ارض موحلة يعدها صاحبها لزراعة الارز
اعتذرت له بلامبالاة فنظر لي نظرة غاضبة ثم تجاهلني وقال لعماد وهو ينفض الطين من على ملابسه بلا جدوى : حصل خير هروح اغير وارجع . . استناني
بعد ان ابتعد قليلا ضحكنا كثيرا وقال لي عماد ويخبط كفا بكف : شرير
فرددت ببراءة : بالعكس
قال عماد بلهجة حاول ان يمنحها الكثير من الجدية : انما يأكل الذئب من الغنم القاصية
فقلت له كان هذا فيما مضى ذئب هذه الايام يأكل الغنم كلها القاصية والدانية فاذا كان الامر كذلك فأنا افضل أن يأكلني الذئب وحيدا
متفردا
الذين يؤكلون في جماعات يتحولون الى مجرد أرقام
احصاء في جريدة بعد أن يفرغ الناس من قراءتها سيفرشونها على موائدهم المتخمة باللحم والارز واللامبالاة والقسوة والنهم
وسينسون أنه في نفس هذه اللحظة في مكان ما من الارض
هناك أم أصبح فؤادها فارغا
هناك أم أصبح بامكانها ان تنام مبكرا لأنه لم يعد هناك من تسهر كي تطمئن على عودته لكن الغريب ان النوم مبكرا لن يريحها
هناك ابنه ستذهب في حفل نهاية العام الدراسي وحدها وعندما تطلب منها المدرسة أن تحضر ولي امرها
ستحتار
ستحتار رغم ان هذا الامر لا يجب أن يكون محيرا
أبدا
أبدا يا مدن
أما أنا فاذا لم تكتب لي الحياة كما أتمنى فعلى الاقل ار يد موتة تليق بي
اريد أن بيكني الناس بما يليق بانسان
يذكرون اسمي
ويعرفون صورتي
شرد عماد في كلماتي ثم سألني : هل تحب جيفارا ؟
أدهشني أنني تذكرته أيضا فقلت له وانا على دهشتي : نعم . . جدا
- ولكنه اصبح مستبدا في نهاية حياته
- احبه في المرحلة التي سبقت تحوله الى مستبد . . حين وهب حياته للآخرين .. للمظلومين والمضطهدين. . حين قال انني اشعر بكل صفعة تنزل على وجه مظلوم على هذه الارض
- الا يجب ان نقيم الانسان بجميع مراحل حياته
- هكذا لن يتبقى لنا أحد لنحبه .. ثم إذا سلمنا لمنطقك لماذا تصر على محاسبته على مرحلة الاستبداد وتنسى كل التضحيات التي قام بها
- انما يحاسب المرء بخواتيم اعماله؟
- مالنا والآخرة
- اتحبه أكثر أم الطرسوسي؟
- اسئلتك الليله غريبة
- أجبني
- احب المسيح أكثر
- ولم؟
- لأنه تعرض للظلم من كل الناس .. ظلمه محبوه واتباعه أكثر مما ظلمه خصومة
- اكنت تكون في صفه لو كنت موجودا ؟
- كلا بالتأكيد
- !!؟؟؟
- ربما لأني لم اصل أبدا ليقين يدفعني للقتال الروحي دفاعا عنه! وربما لأني جبان! وربما لكلاهما!
لمحنا خيال انسان آت من بعيد فقطعنا حديثنا وتبادلنا نظرات مصدومة خشية أن يكون شريف انبوبة قد عاد كالعادة في وقت غير مناسب
وفجأة قال عماد بمرح : هيا نعدو
- الى أين؟
- لا يهم .. المهم أن نهرب .. علينا أن نفكر الان في الهرب .. فقط في الهرب
عدونا لكننا لم نسبق ظلنا وحملتنا سيقاننا الى عم جلال البقال الذي لم يكن في مزاج جيد على غير العادة لأن زوجة ابنه الحيله قد ولدت للتو والمولودة كانت للمرة الرابعة انثى
لا يا حضرة الباشا الضابط ليست المشكلة انها انثى عم جلال ليس من هذه النوعية المشكلة اكبر من هذا بكثير
لكن اسمحي لي يا مدن ان أحكي لك عنها في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي