Social Icons

الرسالة الخامسة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أحبك يا مدن
أحبك وأنا آكل
واحبك وانا أقرأ
واحبك وأنا أجلس مع أصدقائي
واحبك وأنا أتشاجر مع أمينة المزغودة
وأحبك وأنا ألعن سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة
واحبك وانا أقاوم اغواء صباح البنهاوي
وعندما تسألني أمي : هل أنت جائع
أجيبها: نعم جائع واحب مدن
أنا يا مدن أحبك في جميع أحوالي
في صحوي
ونومي
وجدي
وهزلي
وسري
وعلني
ترى أمازلت تذكرين تعارفنا الاول
قبل أن تنحل عقدة لساني وتفقهي قولي
يومها بادرتي بالتحية وقلتِ ( صباح الخير) مغلفة بابتسامة سحرية
لم أصدق أن هناك (صباح الخير) بهذا الجمال ..
فحدقت فيك كأبله ولم أرد .
ظننت أنني أتجاهلك وغادرت مسرعة..
فوددت أن أناديك باكيا (لا. . ليس الامر كما تظنين . . إطلاقا)
لا أذكر متى انحلت عقدة لساني فعليا وانتقل حديثي معك من خيالي الى الواقع
لكن لابد أنك تأكدت الان أنني على عكس ما كنت تعتقدين أعرف كلمات كثيرة غير (هه؟) التي لم أكن أنطق سواها كلما تحدثت معي
مدن أنا أراوغ
انا لست على مايرام يا مدن ولا جدوى من الانكار
لا أدري ماذا بي تحديدا ؟؟
هل بي شئ سوى أني أعيش في هذا الزمن؟؟
في هذا البلد!
هل تذكرين حين سألتيني عن السعادة وأجبتك انها هي تلك الفترات القصيرة التي يغفل فيها الحزن عنا لذا علينا أن نتعلق بها بشدة
جلسات الاصدقاء والاحبة ..أو ما تبقى منهم
جلستنا سويا في ظل شجرة الصفصاف العتيقة ..
آه الان تذكرت أن المجلس المحلي قطعها العام الماضي وزرع اخرى جديدة .. ليس لها ظل بعد
قطعوها دون أن يتسنى لنا أن نودعها ونودع القلب الذي رسمناه علي جذعها حول اسمينا !
هل رأيت؟؟
الذنب ليس ذنبي إذن
حين أضطر للاعتذار لأحدهم بأنه " ليس لدي وقت" افكر في هذه الاشياء التي تشغلني لهذه الدرجة
أفكر أنني قديم
قديم جدا
لا أنتمي لهذا العالم
ما معني أن يضيع المرء عمره ويكسب المال ؟!
بل ما معنى أن يضيع عمره ولا يكسب المال ؟!
أعلم ان هذا كلام حزين وقاتم
لكن فكري قليلا
أليس هذا مايليق بالعالم الذي نعيش فيه
بالبلد
بالزمن
بنا
دعيني أعتذر لك مقدما عما سيسببه لك هذا الكلام من ألم
لكن عذري الوحيد
والذي أتحجج به دائما
أنه كلاما حقيقيا .. صادقا
وان كنا لا نحب الكلام الصادق
لا نحب الصدق عموما
نحن مجتمع محافظ
متدين بطبعه
والحقيقة العارية تثير حفيظتنا
لذا نفضل الحقيقة المحتشمة
المغطاة
أو المنتقبة كما يفضل البعض أن يقول
مدن
سامحيني سأكتفي بهذا القدر
الى اللقاء في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الرابعة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
في أحد البرامج الاذاعية سألت المذيعة عبد الحليم حافظ عن الشخص الذي سيصحبه معه إذا سافر للقمر وكان مسموح له اصطحاب شخص واحد فقط
فأجاب عبد الحليم انه سيصطحب كامل الشناوي الشاعر والصحفي المعروف مؤلف اغنية (لا تكذبي )الشهيرة
لم يكن كامل وسيم الملامح لكنه كان يملك شخصية مرحة ومحببه للجميع لكن هذه الشخصية الجميلة لم تشفع له لدى حبيبته الفنانة نجاة الصغيرة التي فضلت عليه الكاتب يوسف ادريس حسب الرواية التي يتدوالها الناس حول كواليس اغنية (لا تكذبي)
آه من النساء
عندما أتخيل نفس السؤال يطرح علي يا مدن أقرر بحسم أنني لن أصطحب أحد
نعم إذا افترض أني سأسافر للقمر وليس مسموحا لي سوى اصطحاب شخص واحد فلن أصطحب أحد
ليس حبا في الوحدة
وليس استغناء عن الناس
عن الاصدقاء
عنك يا مدن
غاية ما في الامر أن كثيرون يتوقعون أن يكونوا هم هذا الواحد
وانا افضل ان اتجرع مرارة الوحدة على أن أخذلهم

في رواية ربيع جابر البديعة ( دروز بلجراد) برغم مأساوية حكاية حنا يعقوب بطل الرواية
وبرغم العديد من المواقف المؤلمة والقاسية في الرواية
الا أن أكثر موقف آلمني وأثر في جدا هو موقف يبدو هامشيا في أحداث الرواية وليس له علاقة ببطل الرواية حيث تم القبض على أبناء الشيخ غفار عز الدين الخمسة وحكم عليهم بالنفي وحين شفع لهم لدى الحاكم سمح له الحاكم بان يختار واحد فقط من أبنائه لينقذه ويترك الباقيين ليواجهوا مصيرهم المؤلم
هل تتخيلي حجم المأساة التي وضع فيها الشيخ غفار يا مدن؟
هل تتخيلي حجم الالم والحسرة الذي سيعانيه بقية حياته؟
عندما تناقشنا حول الرواية قال عماد ولكنه على الاقل أنقذ أحدهم
وقلت أنا ولكنه خذل أربعة
الخذلان يا مدن .. الخذلان
أقسى ما يمكن أن يقاسيه المرء هو الخذلان
لا أتحمل أبدا أن أخذل أحد يا مدن
أبدا
ولهذا اكره الامل
في اغنيته الشهيرة (لحن الخلود) يقول فريد الاطرش " الحب من غير امل أسمى معاني الغرام"
والحقيقة أن الحياة برمتها بدون أمل هي أسمى معان الحياة
الامل مقلق ومؤلم وغير منطقي
لابد ان يكون غير منطقي والا لما كان امل
قبل عدة سنوات كنت اتجول خلال قنوات التلفزيون ووقفت عند احدى القنوات أظنها كانت قناة النيل الثقافية (القائمين على تلك القنوات يجب أن يعدموا في ميدان يا حضرة الباشا الضابط)
كان هناك مذيعا غريبا يستضيف ضيفا غريبا ويتحدثون في موضوع أغرب ثم جاءهم اتصال من مشاهد غريب القى عليهم السلام ولم يوجه كلامه للمذيع ولا للضيف بل وجه نداء لابنائه وزوجته ليقوموا بلم الغسيل أو تغطيته لانه لا يستطيع الاتصال بهم فقام المخرج بقطع الاتصال
المشهد كله كان عبثيا بامتياز
لكن اتدرين ما السبب في كل هذا العبث
انه الامل
الامل الذي جعل هذا المذيع الغريب يصدق ان هناك من يهتم ببرنامجه ويشاهده غير أبيه وامه ناهيك أن يتصل به
وهو الذي جعل هذا المتصل الغريب يتوقع أن أولاده وزوجته يمكن أن يشاهدوا برنامج مثل هذا البرنامج
الامل  أيضا هو الذي جعلني اتوقف عند هذه القناة ظنا مني أنني قد استفيد منها شيئا لمجرد ان اسمها " النيل الثقافية"
على العموم لقد كانت هذه التجربة درسا مهما في سبيل التخلص من الامل
حتى مزاج عم جلال البقال السيء كان بسبب الامل
عم جلال رجل عجوز جدا
هو أكبر أهل القرية سنا
وهو الوحيد الذي ماتت زوجته قبله
منذ ولدت وهو على نفس الهيئة لا يتغير كأنه شقيق عبد الوارث عسر
كأنه وصل المرحلة القصوى من الهرم
المرحلة التي لا يمكن أن يشيخ المرء بعدها
يقول عماد أن امه كانت تخبره أن عليه أن يشرب اللبن حتى لا يصبح مثل عم  جلال
ثم يضيف : لا أعلم ماذا كانت تقصد بكلمة (مثله ) هل تقصد حتى لا أصبح هزيلا ومحنيا مثله أم تقصد حتى لا أعيش حتى أودع كل احبابي وأبقى وحيدا ومنسيا مثله
عم جلال أيضا يمتلك قدرة عالية على الدعابة برغم عصبيته الشديدة وسرعة غضبه نحب انا وعماد أن نجلس معه ونستمع لحكاياته العذبة عن القرية وعن تاريخ عائلاتها واسرارها
لكن عم جلال اليوم لا يتكلم كثيرا
رحب بنا بفتور وبعد فترة من الشرود قلت محاولا حمله على الكلام : مبروك الخير اللي جالك ياعم جلال انا سمعت ان مرات نادر ولدت  هي جابت ايه ؟
ابتسم ابتسامه باهته وقال بخفوت : بنت
نادر ابن عم جلال الوحيد لا يعيش له اطفال
هذه المرة الرابعة الذي تلد فيها زوجته اشجان والمرات الثلاث الاولى ماتت الطفلة قبل أن تكمل العام
قلت محاولات الترويح عنه : ان شاء الله ربنا يخليهاله ويبارك فيها
فرد كأنه لم يسمعني : البت اشجان راحت ضريح الشيخ حسونه من اسبوع عشان تتبارك بيه قبل ما تولد وهناك قابلتها الولية الغجرية اللي  اسمها " عجايب " وقالت لها انت هتولدي بنت ولو عايزاها تعيش سميها " لميس"
كانت " عجايب" عجوز غجرية  تأتي لقريتنا في مواسم الحصاد وتقيم خلال هذه الفترة في ضريح الشيخ حسونة وكنا نتجبنها ونحن صغار لانها كانت غريبة الاطوار و لها نظرات مخيفة ويحيطها غموض مريب  لكنني لم اجد في حديثها مع أشجان ما يقلق فسألته : وايه المشكلة؟
فرد بضيق : ايه المشكلة ازاي يا وليد ؟ البت اقنعت نادر وعايزين يسموا بنتهم "لميس" والمشكلة لو انا عارضت والبنت جرى لها حاجه هشيل ذنبها بس برضه انا عندي تموت ولا انها تكبر وهي لميس
فسأل عماد بدهشة كبيرة : ده كله عشان اسم لميس يا عم جلال ؟
- طبعا يا بني الولية عجايب دي ملعونه والاسم ده تعويذة شريرة .. وكل اللي اسمهم لميس بيعيشوا مدة طويلة صحيح لكن بيجيلهم لعنه وبيتحولوا لكائنات غريبة شكلهم من برة بني آدمين لكن هم مش بني آدمين .. انتو ما بتشوفوش تلفزيون ولا ايه  
أفزعتنا نظرية عم جلال فغادرناه على عجل قبل أن يدخل في التفاصيل
هل تصدقي هذه الحكاية حول اسم لميس يا مدن ؟
هل تصدق يا حضرة الباشا الضابط؟ كم لميسا يعمل معكم في الامن الوطني ؟
انا عن نفسي أصدق عم جلال في كل حكاياته
بالمناسبة هو يعرف حكايات كثيرة قد يأتي الوقت وأحكيها لك يا مدن أما الرسالة القادمة فلا أعلم تحديدا ماذا الذي سأقوله لك فيها   لكن الاكيد أنه ان كان لي عمر فسيكون هناك رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة الثالثة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
يقتلني عجز اللغة يا مدن
المشاعر المحبوسة بداخلي تزأر بغضب
تخمش أضلاعي بمخالب طائر اسطوري محبوس في قفص
أتدرين اني لم أرض أبدا عن أيا من الرسائل التي أكتبها لك؟
كيف أصف لك كم أحبك
كم أهواك
كم اشتاق للذوبان فيك
للتلاشي بك
أفكر جديا أن أضع قلبي ( هنا ) كي تفهمي ما أعنيه
لكنني أتراجع في النهاية كالعادة وابرر تراجعي بأنني أخشي أن أتعدى على ما لا أملكه
أعلم أني اكذب
واصدقني
أصبح اطفال القرية الاشرار يتعاملون معي على أني مجنون يا مدن
يتجنبون المرور بجواري
وكلما مررت بهم يتهامسون ويشيرون الى ثم يضحكون
ترى هل أخبرتهم أمينة المزغودة بسري
كنت اقف في غرفتي معطيا ظهري لباب الغرفة وامارس طقسي المعتاد
العن الفراغ والخواء الذي يزاحمني في الغرفة
اسب اللاشئ الذي يعبق المكان بألفاظ شديدة البذاءة والسوقية
(لا أستطيع ان أصف لك يا مدن مدى الراحة والطمأنينة التي تعتريني بعد هذا الطقس الممتع)
ثم التفت لأراقب ملامحي في المرآة وهي تتحول بعد هذا الكم من السباب لملامح سائق ميكروباص محترف
ففوجئت بالمزغودة واقفة خلفي تضع يدها اليمني على خصرها وتضع سبابتها اليسرى على شفتها السفلى قبل تقول بدهشة وهي ترفع حاجبها الايمن : مسم . . اللهم احفظنا.. بتشتم مين يا سي وليد
نظرت لها نظرة شريرة كنظرات زكي رستم في رصيف نمرة خمسة ثم قلت بنبرة مهددة : لوحد شم خبر باللي شفتيه دلوقتي هدبحك
ثم صرخت بقوة هادرة : امشي اطلعي برررة
ففرت مرعوبة
وظلت تخشى التعامل معي من بعدها وحتى واقعة الفأر المخزية
لابد انها انتقمت مني بعدها بسبب الرعب الذي سببته لها
أم انه نبيل الحلاق الغبي الذي يمسكني من أنفي ينتقم مني بعدما سببته أمام زبائنه وتركت له المحل
هل يمكن أن يصور له غباؤه ان تلك الواقعة كان من اعراض الجنون
كانت هناك ذبابة ضخمة تحط على المرآة أمامي اثناء الحلاقة وعندما هم نبيل بقتلها مستخدما مجلة قديمة صرخت فيه بفزع وطلبت منه الا يفعل
فسألني باستغراب : بتقرف؟
فقل له بعفوية شديدة : مش الفكرة .. بس شكلها حامل
بعد ان سمع اجابتي تطلع في بدهشة قرابة الدقيقة ثم أبعد الامواس والمقصات من امامي وبدأ من بعدها يعاملني بحرص وحذر حتى يوم مشاجرة صباح البنهاوي
هل يكون هو؟
لا أدري
على كل ٍ أنا لا أغضب من اتهامي بالجنون بل على العكس
فهذا يعني أنني مختلف عن القطيع ومتميز ولا بأس أن يفسر الاغبياء الذين يحيطون بي هذا الاختلاف على أنه جنون
أقول لعماد أثناء تجوالنا على حدود القرية
ان الاختلاف والتفرد هو الحياة
هو قيمة الانسان
وفجأة يقتحم خلوتنا شريف الوكيل شقيق سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة و يقطع حبل افكارنا بلزوجته المعهودة
دائما ما يظهر هذا الوغد في الاوقات الغير مناسبة كعطسة تداهمك أثناء السجود فلا تدرين من أي مكان خرجت !
عم جلال البقال يسميه شريف أنبوبة لأنه على حد قوله كالأنبوبة لا ينفد الغاز منها الا ونحن في أمس الحاجه لها
سلم شريف على عماد وبدأ يمشي معنا
الوغد السمج يتعامل مع عماد على أنه ثري عربي ويريد أن يشاركه في أي (مصلحة) حسب تعبيره
عندما بدأ يعرض افكاره التجارية سئمت منه وشعرت برغبه عارمة في قتله خنقا
القتل خنقا من أفضل الطرق للانتقام من الاوغاد ولإفراغ الرغبة العدوانية الكامنة في الانسان
شعرت بالراحة تغمرني وانا اتخيل وجهه المحتقن وهو يتحول رويدا رويدا الى اللون الازرق وزراعاه يجدفان في الهواء بلا طائل قبل ان تخمدان ببطء وتسقطان بجواره ويرتاح العالم من شروره وسماجته
أفقت من شرودي على ضحكته السخيفة وهو مازال يحكي لعماد عن افكاره التجارية الخطيرة
ولما كنا في مكان مكشوف فقد اكتفيت بان تظاهرت بالتعثر في الارض ودفعته بكل قوة فسقط في ارض موحلة يعدها صاحبها لزراعة الارز
اعتذرت له بلامبالاة فنظر لي نظرة غاضبة ثم تجاهلني وقال لعماد وهو ينفض الطين من على ملابسه بلا جدوى : حصل خير هروح اغير وارجع . . استناني
بعد ان ابتعد قليلا ضحكنا كثيرا وقال لي عماد ويخبط كفا بكف : شرير
فرددت ببراءة : بالعكس
قال عماد بلهجة حاول ان يمنحها الكثير من الجدية : انما يأكل الذئب من الغنم القاصية
فقلت له كان هذا فيما مضى ذئب هذه الايام يأكل الغنم كلها القاصية والدانية فاذا كان الامر كذلك فأنا افضل أن يأكلني الذئب وحيدا
متفردا
الذين يؤكلون في جماعات يتحولون الى مجرد أرقام
احصاء في جريدة بعد أن يفرغ الناس من قراءتها سيفرشونها على موائدهم المتخمة باللحم والارز واللامبالاة والقسوة والنهم
وسينسون أنه في نفس هذه اللحظة في مكان ما من الارض
هناك أم أصبح فؤادها فارغا
هناك أم أصبح بامكانها ان تنام مبكرا لأنه لم يعد هناك من تسهر كي تطمئن على عودته لكن الغريب ان النوم مبكرا لن يريحها
هناك ابنه ستذهب في حفل نهاية العام الدراسي وحدها وعندما تطلب منها المدرسة أن تحضر ولي امرها
ستحتار
ستحتار رغم ان هذا الامر لا يجب أن يكون محيرا
أبدا
أبدا يا مدن
أما أنا فاذا لم تكتب لي الحياة كما أتمنى فعلى الاقل ار يد موتة تليق بي
اريد أن بيكني الناس بما يليق بانسان
يذكرون اسمي
ويعرفون صورتي
شرد عماد في كلماتي ثم سألني : هل تحب جيفارا ؟
أدهشني أنني تذكرته أيضا فقلت له وانا على دهشتي : نعم . . جدا
- ولكنه اصبح مستبدا في نهاية حياته
- احبه في المرحلة التي سبقت تحوله الى مستبد . . حين وهب حياته للآخرين .. للمظلومين والمضطهدين. . حين قال انني اشعر بكل صفعة تنزل على وجه مظلوم على هذه الارض
- الا يجب ان نقيم الانسان بجميع مراحل حياته
- هكذا لن يتبقى لنا أحد لنحبه .. ثم إذا سلمنا لمنطقك لماذا تصر على محاسبته على مرحلة الاستبداد وتنسى كل التضحيات التي قام بها
- انما يحاسب المرء بخواتيم اعماله؟
- مالنا والآخرة
- اتحبه أكثر أم الطرسوسي؟
- اسئلتك الليله غريبة
- أجبني
- احب المسيح أكثر
- ولم؟
- لأنه تعرض للظلم من كل الناس .. ظلمه محبوه واتباعه أكثر مما ظلمه خصومة
- اكنت تكون في صفه لو كنت موجودا ؟
- كلا بالتأكيد
- !!؟؟؟
- ربما لأني لم اصل أبدا ليقين يدفعني للقتال الروحي دفاعا عنه! وربما لأني جبان! وربما لكلاهما!
لمحنا خيال انسان آت من بعيد فقطعنا حديثنا وتبادلنا نظرات مصدومة خشية أن يكون شريف انبوبة قد عاد كالعادة في وقت غير مناسب
وفجأة قال عماد بمرح : هيا نعدو
- الى أين؟
- لا يهم .. المهم أن نهرب .. علينا أن نفكر الان في الهرب .. فقط في الهرب
عدونا لكننا لم نسبق ظلنا وحملتنا سيقاننا الى عم جلال البقال الذي لم يكن في مزاج جيد على غير العادة لأن زوجة ابنه الحيله قد ولدت للتو والمولودة كانت للمرة الرابعة انثى
لا يا حضرة الباشا الضابط ليست المشكلة انها انثى عم جلال ليس من هذه النوعية المشكلة اكبر من هذا بكثير
لكن اسمحي لي يا مدن ان أحكي لك عنها في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة الثانية عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
كيف كنت احتمل هذه الدنيا قبلك يا مدن ؟
بالأمس سألني صديقي ماذا ستفعل إذا تركتك؟ هل ستنتحر؟
فقلت له باستغراب : أينتحر الأموات؟
ليس في قريتنا مجذوب ولا في القرى المحيطة بنا ولهذا لا أثق في الدراما المصرية
في البداية امتنعت عن مشاهدتها لكني كنت اتقبل الامر بصدر رحب اذا تصادف وجودي في مكان يعرضها واستمر هذا الحال معي لفترة طويلة حتى تصادف ورأيت ذلك المشهد في محل نبيل الحلاق الغبي الذي يمسكني من أنفي كان مسلسل عن الصعيد وفي المشهد وقف رياض الخولي بجسده الضخم وقال لابنه (احمد عبد الغني) باستعطاف : اني لازم اتجوز يا ولدي عشان اخلف واد ولا اتنين بدل اخوك اللي مات !!!
بعدها اتخذت قرارا نهائيا بعدم مشاهدة أي مشهد من الدراما المصرية أيا كان السبب أو الظروف
لا احد يعوض غياب احد يا مدن
اطلاقا
الام لا تعوض الاب
والصديق لا يعوضه صديق اخر
أو اخ
أو زوجة
مهما حاولوا
مهما اجتهدوا
كل قريب يغيب يترك في روحك علامة
بصمة
مكانا لا يسع شخصا آخر
فراغا لا يمتلئ الا به
اذا عشت معظم عمرك مع شخص ثم غاب هذا الشخص الست بذلك تفقدين جزءا من روحك !!
في مقال قديم للعبقري الجميل عمر طاهر كان يقول انه عندما يختفي اللون الاخضر من الحياة فمن المحتمل ان يحاول الازرق تعويض غيابه
انه سيجتهد بإخلاص وعزيمة
سيبذل قصارى جهده
لكنه لن يصبح أخضر
مهما اراد ذلك
هل تفهم شيئا مما مضى يا حضرة الضابط
هل هناك امل
أي أمل ان تفهم شيئا من هذه الرسائل
آه صحيح كدت انسى
اريد منك خدمة يا حضرة الباشا الضابط
اريدك ان تتوسط لعبد الله للعمل لدى احد معارفك من اصحاب القنوات الفضائية
الولد قرر أن يبحث عن عمل حتى يتمكن من الانفاق على خروجاته مع صباح البنهاوي ذات التضاريس البارزة
الفاجرة تبتزه
في كل مرة تخرج معه تبدي إعجابها بحذاء
أو فستان
أو عباءة
هذا طبعا بعد ان تكون قد طفحت الكباب والكفتة في احد المطاعم الفخمة
والولد المغفل لم يعد يقوى على مجاراتها من المصروف الذي يحصل عليه من والده
لذلك قرر أن يعمل وطلب مني المساعدة
وبما انه لم يكمل تعليمه وليس لديه أي موهبه أو حرفة كما انه يمتلك مستوى متميز جدا من الغباء والعته فقد رأيت أن انسب شئ له هو أن يعمل خبير استراتيجي في أي قناة فضائية واحب أن اطمئنك انه سيشرفك فقد قمت بإعطائه بعض النصائح المفيدة بنفسي
فأخبرته ان عليه أن يستخدم كلمة " إرهاصات" في بداية حديثة حتى يجذب اذن المستمع
كما أكدت عليه يذكر عبارة " حروب الجيل الرابع " من ثلاث الى اربع مرات على الاقل
وان يثني على السيد الرئيس والاجهزة الامنيه
ويحذر من خطر الاخوان والتنظيم الدولي والماسونية العالمية
ولا بأس أن يذكر انه حصل على معلوماته من مذكرات هيلاري كلينتون وتقارير كلية الحرب الامريكية وابحاث جامعة ماساتشوستس لكنه عندما لم ينجح في نطق الاخيرة نصحته ان يستبدلها بعبارة "أحدث الابحاث العالمية"
سأكون شاكرا جدا يا حضرة الباشا الضابط لو ساعدته
لم يعد الامر متوقفا على أن صباح تستحق الحب أم لا يا مدن
حاولت أن اشرح له ان فتاة تأكل نصف كيلو طرب مع السلطات والخبز في وجبه واحده لا يمكن أن تعرف الحب لكن يبدو أن أمر الله قد نفد
لقد تمكن الحب من قلب رامي
لو رأيت كيف تلمع عينيه ويشرق وجهه حين يتحدث عنها لعرفت أن أوان النصح والكلام قد فات
طريق الحب اذا بدأ لابد أن يمضيه الانسان الى النهاية
وليس في الامكان الا محاولة تقليل الخسائر
على كلٍ
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الحادية عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
لست في مزاج جيد يا مدن
غير أني احبك
أحاول كثيرا تجنب الكلام المباشر كما تعلمين لكنني احيانا أقف عاجزا
لا أملك ان أقول سوى أني أحبك
وسوف أحبك الى الابد
الى ما بعد نهاية الاشياء
سوف أحبك حتى تصبح مصر الجديدة.. مصر القديمة
و حتى تصبح مصر القديمة .. مصر القديمة جدا
........
في الطريق نمر بمدرستنا
يجرى عماد بنزق طفولي ويقول بمرح : هيا نقفز السور
بصعوبة بالغة نجتاز السور ونحن نلهث ونضحك من فرط الاثارة
في الجهة الاخرى يجتاحنا حنين كبير
نصعد الى السطح لنشاهد ارض الطابور من الاعلى كما تعودنا في اليوم الذي ليس لدينا فيه مباريات
نطل على طفولتنا البريئة فتبدو هناك بعيدة و باهته وغريبة كأن لم نمر بها يوما
ندخل أحد الفصول المفتوحة
نجلس في ( التختة) الثانية في الصف المجاور للنوافذ
يقف عماد على السبورة ويكتب بخط كبير
(محمد مغاوري عبد السميع)
التلميذ المشاغب الذي كان يكتب اسمه دوما عندما يقف علينا بين الحصص بصفته رائد الفصل
يهتف مقلدا صوت الاستاذ هشام مدرس العلوم الغليظ كصوت راديو أوشكت بطاريته على النفاد
(قيام ..اقف عدل ياض يا مغاوري .. اسمك مكتوب ع الصبورة ليه؟ ... جلوس يا غجر)
نضحك..
نفتح الادراج
نتطلع الى الاسماء الكثيرة والقلوب والاسهم المحفورة على المقاعد والابواب واطارات النوافذ
نفتش عن الاحلام التي كانت بحجم العالم فنعثر فقط على بقايا حروف ونقوش مطموسة تمنحنا مزيدا من الشعور بالفقد
نتساءل عن ذلك الذي اخبرنا عن الخير الذي ينتصر في النهاية ..
نهمس في حنق أي نهاية كان يقصد؟؟
ولما أعيانا البحث سألته : لماذا جعلتنا نقفز السور؟
فأجاب باحباط : أتلمس شيئا يمنعني من السقوط
تبادلنا نظرات خاوية ثم انحنينا على هشاشتنا وجلسنا على عتبات السلم قبل أن أسأله : لماذا لم تعد ؟ لماذا انتظرت كل هذا الوقت؟
شرد عماد وتنهد تنهيدة عميقة ثم قال : هل تعلم الشعور الذي ينتابك عندما يضيع منك شيئا شديد الاهمية
تبحث عنه في كل ركن من البيت فلا تجده
وعندما يتبقى غرفة واحدة فقط لم تبحث فيها
تقف أمامها مترددا مرعوبا
هل تدخل وتغامر بان تكتشف أن ما تبحث عنه ضاع الى الابد
أم تفضل أن تترك الغرفة مغلقة و تحتفظ بداخلك ببقايا أمل مبهم ضئيل
هذا ما حدث معي
فضلت أن أترك الغرفة مغلقة
خشيت أن أعود فأكتشف ان الاسى والحزن الذي أشعر ليس فقط بسبب الغربة
أنا قديم يا وليد
قديم يا وليد
لا أنتمي لهذا العالم
تركت نفسي هنا وسافرت لأبحث عن أشياء لا تعنيني
وحين عدت
لم أجد ما تركته
لم أجدني
لم اجدني يا وليد
.....
مدن أعلم ما تفكرين به
لكنه صديقي يا مدن
صديقي الوحيد
أعلم أيضا أنني وعدت أن أتوقف عن الحديث عن عماد مؤقتا لذلك سأحكي لك عما حدث معنا في بقالة عم جلال في الرسالة بعد القادمة
اما الرسالة القادمة فستكون عن شيء آخر
مختلف تماما
هذا طبعا اذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة العاشرة : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساءك سكر
لا تغضبي مني يا مدن
الالم يطهرنا
لا تنسي ايضا أن احد تعريفات الانسان أنه حيوان حزين
على ذكر الحزن
في أغنيته الشهيرة التي لا أذكر اسمها هل كان كاظم يقول
" إنني أسكن في الحزن " أم كان يقول " في الحب"
على كل ٍ لا اظن ان هناك فرقا يستحق الحيرة
..........
طلب مني عماد ان نتجول في شوارع قريتنا الضيقة علنا نعثر علی بعض ذكرياتنا السعيدة
الذكريات السعيدة محض اكذوبة
الذكريات كلها حزينه
فحزينها حزين
وسعيدها يصبح حزينا أيضا بما يثيره في النفس من مشاعر الفقد والحنين
لم أشأ أن أزيد من احباطه بهذه الافكار فاستنشقت نفسا عميقا من هواء الشارع البارد المنعش وسألته بابتسامه ماكرة؟
أمازالت هناك ضحكة مختبئة في الاعماق أصلا ؟
نظر لي باعجاب وسأل ضاحكا : كيف عرفت ؟؟
- أبدا .. في البداية ظننته في رامي لكن لما قرأت الديوان ووجدت دائرة حول النفس المقطع الذي ظللته في نسختي القديمة عرفت أنه أنت
من غيرك يا صديقي سيضع دائرة حول هذه الكلمات
"لا تلومونا حين نفرط في حزننا الى هذه الدرجة
نحن في الحقيقة نريد أن نفرغه كله
ربما نعثر قبل الموت على ضحكة مختبئة في الاعماق"
عبقري هذا الرجل يا مدن
عبقري وكئيب ورائع
أفكاره غريبة
وتشبيهاته مبهرة
كلماته صادقة وقاسية وفجة وبديعة ومبهمة ومؤلمة ومدهشة
كأنه حين يهم بالكتابه يتلبسه عفريت من الجن
مواضيع دواوينه أشبه ما تكون بالمغربي محمد شكري صاحب " الخبز الحافي" الكتاب الذي أهديتك اياه ذات فالانتين
كنت وقتها أمثل دور شيخ متشدد على مسرح الجامعة وكعادتي كنت أتقمص الشخصية طوال الاربع وعشرين ساعة في أيام العرض
وعندما قلت لي متحدية لن تصمد في ممارسة طقوس المتشدد طوال فترة العرض دفعني عنادي للتمسك أكثر بتلك العادة
لكنني اسقط في يدي يوم الفالانتين ولم أعرف كيف أتصرف
الى اهتديت الى شراء هذا الكتاب وكتبت في الاهداء
الاخت مدن
هابي فالانتين داي والعياذ بالله
في اليوم التالي سالت : أيعقل أن يهدي شيخا متشددا مثل هذا الكتاب البذئ لامرأة أجنبية
فأجبتك : أيعقل أن يهدي شيخا سلفيا أي هدية لأمرأة اجنبية
فضحكت
اما انا فلم أضحك بالطبع لأن العرض كان مايزال مستمرا
ينظر عماد الى القرية باندهاش
كأنه قفز العشر سنوات الماضية في خطوة واحدة عبر ثقب اسود
مررنا بمنزل طيني عتيق ومظلم يعرفه جيدا فأشار اليه وسأل : اليس هذا بيت شمس الخبازة ؟ أين ذهبت؟ ماذا حدث لها ؟
فأجبتة بحياد : توفت بعد ان افتتح الحاج خليل النعماني المخبز الالي بشهرين..
لابد انك مررت به في طريقك للكنيسة ..
من الجميل أن يرحل الانسان في الوقت المناسب
اومأ برأسه ثم قال : أريد أن العب الكرة .. هل نذهب غدا للملعب ؟
قلت تهـربا من الاجابة : أي ملعب؟
- الملعب !
فاجبت ببطء مشفقا عليه : آ . . لقد اشترى سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة أرض الملعب من والد ابراهيم وبني فيها صفا من المحلات خصص احداها لالعاب الفيديو جيم والبلاستيشن وعرض الباقي للايجار
ثم أضفت مازحا : ما رأيك في الاكتفاء بمباراة بلاي ستيشن؟ وسادعك تلعب ببرشلونة
شرد في الافق ولم يستجب للمزحة فقلت محاولا التخفيف عنه : لا عليك يمكننا أن نستأجر احد الملاعب الجديدة المنتشرة في البلدات المجاورة .. انها ملاعب مميزة .. ارضيتها من النجيل الصناعي ومزودة بأضواء كاشفة
فسأل بنبرة يائسة : مخبز آلي؟ ومطعم سمك ؟ وملاعب للإيجار؟ الم يعد هناك شيئا مجانيا في هذا البلد
فأجبته بسرعة وثقة : بلى ...
نحن ..
والموت
بالله عليك حاول أن تذكرني يا حضرة الباشا الضابط هل هناك شيئا آخر؟
هل يوجد شيئا مجانيا في هذا البلد سوانا . . نحن والموت؟
ارجو الا تكوني مللت من الحديث عن عماد يا مدن
اعلم انها حكاية حزينة ومكررة
حسنا سأتوقف مؤقتا عن الحديث عنه لكن بعد أن اخبرك باجابته الغير متوقعة التي اجابها علي ّ حين سألته : لماذا
لم تعد ؟ لماذا تحملت كل هذا العذاب والالم ولم تعد بعد عام أو عامين؟
وأستأذنك فقط أن نؤجل هذا للرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة التاسعة : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
أرجو من كل قلبي أن تكوني بخير عندما تصلك هذه الرسالة وبعد أن تصلك وفي كل وقت
لايعرف الموت على حقيقته يا مدن الا الذين وقفوا على حافته
اسرى الحروب
الناجون من المذابح
الذين فقدوا أحبتهم
الشعراء
والمغتربين
ذهبت للسلام على عماد اليوم
عندما جاء الشاي امسكت السكرية وهممت بوضع ملعقتا السكر في كوبه لكنه امسك يدي برفق وقال متحرجا : أصبحت أشربه بدون سكر
ثم اطرق الى الارض وساد صمت ثقيل
أين الكلام الذي لم يكن ينقطع طوال جلستنا سويا
أين الذكريات والضحكات البريئات
ماذا فعلت الغربة بصديقي
قبل عشر سنوات عندما ودعته باكيا كأم ثكلى في مطار القاهرة لم أكن أتوقع أن مثل هذه اللحظة ستمر علينا
كنا نتواصل يوميا تقريبا في الشهور الاولى وبعدها تباعدت الاتصالات
قبل أن يكمل العام توفى والده فزاد تواصلنا من جديد
في أجازته الاولى بعد حادثة الوفاة بستة أشهر لمحت ذلك الانكسار في نظرة عينيه فعرفت أنني في طريقي لأفقده
في بداية الصيام بعد اجازته لم يتصل احدنا بالآخر
وفي العيد أرسل لي رسالة نصية جاهزة فعرفت أن أمر الله قد نفد
لم أراه أو اسمع صوته بعدها سوى مرتين أو ثلاث
وها نحن اليوم نجلس كغرباء التقيا في قطار
- أعلم ما تفكر فيه
أنتشلني من شرودي بهذه الجملة
ثم اضاف بعينين مغرورقتين بالدموع وابتسامة واهنة بها أثر من عماد القديم : نعم
تغيرت
عماد الذي عاد اليوم ليس هو عماد صديقك الذي سافر قبل سنوات عشر
سحقتني الغربة يا وليد
وسقطت بعد وفاة أبي .. ميتا
ثم بدأ يحكي عن وفاة والده لأول مرة منذ توفى
..... .....................................
عندما يتم ابلاغك برحيل والدك وانت في الغربة
وحيد
مكبل
عاجز
فان عقلك لا يستوعب الامر ولا يستطيع ادراكه
تظن ان هناك خدعة ما
اشاعة شريرة اطلقها شخص مستهتر
فقرة سخيفة في برنامج مقالب سمج
كابوس متقن
اي شيء
أي شيء سوی انه رحل بالفعل
لا تستوعب ان ينقل اليك خبر رحيله هكذا كما تنقل اخبار الرياضة والطقس لا فرق سوی في بضعة كلمات وحروف
الآلية التي يحول بها العقل الكلمات والصور الی معان مفهومة يصيبها عطب او خلل
تسمع كلمات مثل
رحيل
عزاء
جنازة
دفن
تشعر انك سمعتها من قبل
لكن عقلك يفشل في معرفة معناها وفي الاستجابة لها
وفي تحديد رد الفعل المناسب علیها
ماذا علي ان افعل الان؟
ابكي مثلا؟؟
اصرخ؟؟
القي بنفسي من النافذة ؟؟
الشيء الوحيد الذي يستطيع العقل استيعابه انه اذا رحل الاب فان الابن الاكبر لابد ان يكون بجواره
يصلي عليه
يمشي في جنازته
يقف علی قبره
ويتلقی عزاؤه
وجودك في اي مكان اخر يا وليد هو شيء لا يستوعبه العقل ولا يستطيع التعامل معه
انفصل عن الدنيا تماما
اراقب المشهد كأني مجرد مشاهد خارجه
مشهد سينمائي مصور من زاوية رأسية
اراني علی الكرسي الموجود في مدخل الغرفة
علی يميني يجلس علی الارض زميلي وائل
وامامي جاري هاني
وعلی السرير الی يساري ثالث لا اتبين ملامحه
الثلاثة عيونهم محتقنه متورمة
وانا
تمثال شمع بملامح بليدة محايدة بلا حياة
اری شفاههم تنحرك كأنهم يتكلمون
ثم تتحرك شفتي ايضا
لكنني لا اسمع شئ
امسك الجوال
انظر الی شاشته
ثم اضعه بجواري
يقول احمد شيئا فامسكه مرة اخری واضعه علی اذني
لابد ان احدهم يتصل
تحدثت مع اشخاص عديدين لا اذكرهم ولا اذكر ماذا قلنا
كانت المرة الاولی التي اعرف فيها ان العقل يمكن ان يتوقف عن التفكير
كان الامر اشبه بانقطاع الارسال عن التلفاز في الماضي
حيث تظهر علی الشاشة ملايين النقاط السوداء والرمادية المضطربة ويصدر الجهاز صوت مزعج رتيب
ششششششششششششششششششش
في الصباح عاد الارسال ضعيفا
غسلت وجهي وصليت صلاة لشخص لا أعرف من هو لكنه ليس أبي بالتأكيد
بعد ساعتين جاءني اتصال منك
أخبرتني أن كل شئ تم على ما يرام ( على ما يرام ؟!الم تجد عبارة أخرى غير هذه يا وليد ؟!)
ثم قلت بلهجة صادقة : كلنا حوله ومعه .. اطمئن
أطمئن؟؟!!!
بدت المكالمة كلها بلامعنى بالنسبة لي
"كلنا معه" ماذا تعني هذه العبارة وماذا عساي ان افعل عندما اسمعها
هل من المفترض أن أهدأ لأنكم كلكم معه و وانا هنا وحدي
هل يجب أن احضر مدفعا رشاشا واقتلكم جميعا
هل ينبغي ان اطردكم واطلب منكم ان تتركوه وحده لأنه لا يحق لأحد أن يكون معه طالما هذا الاحد ليس أنا
وانقطع الارسال مرة اخرى
ششششششششششش
وظل الامر هكذا
تارة يعود الارسال وتارة ينقطع
لكنني لم أصدق أبدا أنه رحل
كان ثمة هاجس يحدثني ان هناك شخص شرير سيظهر فجأة ويقول لي بسماجه : كنا نمزح .. سامحنا
وكنت على استعداد أن اسامحه
شريطه أن يمنحني فرصه
اخيرة
لارتمى في حضن أبي
لألثم كفه الاسمر المعروق
وامنحه عناق طويييييييلا يليق أن يكون العناق الاخير
عندما دخلت البيت في اجازتي الاولى
لم يكن أبي في استقبالي
لم يجلس معنا للغداء
كانت غرفته مغلقة فقلت لابد أنه نائم
أو ربما كان في زيارة لأحد الاصدقاء
بعد الغداء أتيت انت يا وليد
كنت تعرف ما أفكر فيه فاصطحبتني الى هناك
وعندما رأيت المقبرة التي كتب على شاهدها " المرحوم / سعد المصري
أدركت ما حدث
أدركت أنه لن يطلب مني ثانية أن الصق له لصقه آلام الظهر
لن يأمرني بخفض صوت المذياع لأنه يريد أن يقرأ
لن يهديني وردة جديدة بدلا من تلك التي ذبلت
لن يطلب احتضاني ولو لمرة وحيدة . . أخيرة
مهما أردت ذلك
أدركت أن علي ان اكمل بقية ايامي هكذا
وحيدا
ومقسوما
وعاريا
أدركت كل هذا فبكيت يا وليد
بكيت للمرة الاولى بعد مائة وثمانون يوما من رحيله
سامحني يا وليد ثمانية أعوام وانا انتظر هذا اللقاء فأنا لم أكن لأحكي هذا الكلام ألا لك
......................
انتهى كلامه وسبح في هواء الغرفة المكيفة صمتا ثقيلا وكثيرا من الدموع
سامحيني انت أيضا يا مدن
سامحني يا حضرة الضابط
لم اتحمل أن اتجرع هذه المرارة وحدي
في الرسالة القادمة يا حبيبتي سأحكي لك عما دار بيننا ونحن نتمشى في طرقات القرية الضيقة محاولين استنقاذ بعض الذكريات من براثن الزمن
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي