Social Icons

الرسالة الثامنة عشر : وليد حمدي اسرائيل




عزيزتي مدن
مساؤك سكر
مدن! أتدرين ما هي مشكلتي الاكبر معك
مشكلتي أن البشر اخترعوا اللغة لوصف الاشياء التي كانت موجودة حولهم وانت  لم تكوني موجودة وقتها
لو أنهم توقعوا ان مثلك سيسكن الارض لكان اجدر بهم ان ينتقوا كلمة مثل ساحرة أو فاتنة ويحجبوها عن الناس 
يمنعوهم من تداولها حتى لا تبتذل أو تشوه إذا ما استخدمت لوصف شيء غيرك
يحجزوها خصيصا لك
توضع تلك الكلمة في القواميس والمعاجم دون شرح ودون ترجمة
فقط صورتك
إن معظم مشاعر الانسان واحساسيه يا مدن تكون معقدة ومركبة 
ونادرا ما يشعر شعور احادي او بسيط 
فلا يوجد فرح الا ويصحبه خوف او قلق
ولا يوجد حزن الا ومعه بعض الرضا او القناعة 
ولكننا حين نستخدم تعبير اننا سعداء او تعساء 
فاننا في الواقع نتحدث عن الشعور الابرز بين العديد من المشاعر المختلفة 
وفي العموم اري ان الكلمات اصلا وسيلة عقيمة للتعبير عن المشاعر 
فالكلمات مهما بلغت بلاغتها تكبل المعاني وتخنق المشاعر وتختزلها 
فمهما وصفت لك طعم الكمثرى او مدي روعة اللون الاحمر مثلا فانت لن تفهم ابدا ما اعني مالم تتذوق الكمثرى أو تري اللون الاحمر فعلا 
وحتى إذا تذوقتيها فليس هناك أي وسيلة لأتأكد انك شعرت بنفس الطعم الذي شعرت به جميعنا نعرف الطعم الحامض لكننا لا نعرف تحديدا من الذي يشعر به من يتذوق الطعم الحامض لذلك لكم تمنيت ان يتم انتقال المشاعر ومكنونات القلب باللمس
اضع يدي على جبينك فتشعرين  بما اريد قوله
شكوي
أنين
فرحه
حب 
شئ اشبه بالكهرباء مثلا
فاللمبه لو قلت لها 1000 فولت او حتى مليون فولت
فلن تضئ مهما كررت 
بينما اذا لمسها سلك به 50 فولت فقط فستضيئ الغرفة بأكملها
مشكلتي العويصة مع اللغة (أي لغة) ان المفردات التي تعبر عن المشاعر والاشياء المعنوية تستدعي في ذهن المتلقي المعني الناتج من مخزونه المعرفي وخبرته الحياتية وهي خبرة شديدة الخصوصية يستحيل ان تتماثل بين شخصين 
فعندما استخدم مفردة (رقة) او (عذوبة) 
فانني في الحقيقة شعرت بإحساس معين بداخلي 
ولم اجد سوي هذه المفردة للتعبير عن شيء اقرب ما يكون لما شعرت به 
لكنه ليس هو نفس الشعور بالضبط
انت ايضا عندما تسمعين مني تلك المفردة ستفهميني الی حد ما
لكنك لن تعي شعوري تمام الوعي لان المخزون المعرفي لكلينا مختلف بالضرورة
ميزة هذه الرؤية للعلاقة بين المشاعر واللغة يا مدن
انها تقنعك ان مشاعرك وافكارك ستظل حبيسة قلبك وعقلك للابد 
فتمنحك يأسا مريحا من محاولة فهم الاخر او محاولة جعله يفهمك
لا يعني هذا أنني سأتوقف عن الكلام أو ارسال رسائل لمدن يا يا حضرة الباشا الضابط
بالعكس
فرسائلي لها هي الشئ الوحيد الذي له معنى في حياتي 
بعد أن ادركت متأخرا كالعادة أن الحياة ليست كما تصورنا 
ليست كما حلمنا
وليست حتى كما نعيشها الان
أدركت أنني اهدرت عمري في الانشغال بأمور لم تكن تستحق كل هذا العناء 
وان الانشغال كان يجب أن يوجه الى الاشياء التي لطالما  اعتقدت انها على الهامش أو تلك التي اعتقدت أنها تافهة و عبثية 
مأساتي أنني لاعتبارات كثيرة أهمها أن العالم من حولي كان دائما لديه التباس حقيقي في التفريق بين الصواب والخطأ  فقد كان على أن اخوض التجربة وحدي 
الامر الذي جعلني حتى هذه اللحظة مازلت هناك عالقا في التيه والحيرة
أنتظر شيئا ما أظن انه يجب أن يحدث
الغريب أنني أنتظر هذا الشئ ولا يأتي أبدا 
كل خطوة تتحقق مرتبطه بخطوة تالية لها لا تحدث
لا تحدث الا في المستقبل 
والمستقبل بدوره يجرنا خلفه في سرداب طويل بلا آخر
يتم فيه استنزاف الحاضر
يتم فيه استنزاف الحياة
أو ما تبقى منها
كلنا ننتظر شيئا ما
الواقيعون
المثاليون
والمتفاءلون
الكل ينتظر منقذ ما
مخلص
أمر ما يحقق السعادة 
الراحة
شئ ما وحيد يبعث على الامل
في هذا العالم الذي تحكمه العبثية واللاجدوى
متى يتحقق هذا الحلم الزائف ؟
لماذا يأتي هذا الشئ أصلا؟
هذا ما أخشى أن أبوح به حتى لنفسي
أتذكر الان المدرسة في الفصل وهي تسألنا 
عايزين تطلعوا ايه لما تكبروا؟؟
كنت الوحيد الذي لم يجب على السؤال
الوحيد الذي قال : لا أدري ..انا اصلا لا اريد ان اكبر 
هل كنت الوحيد الذي أجاب بأمانه
أم ان  إجابتي تلك كانت هي المشكلة
المأساة
أنني عشت عمري كله "لا أدري" 
لا أعلم  بالضبط ماذا عليّ ان أفعل لأحقق ما أريد
ولا حتى أعرف من الاساس ماذا أريد

لا بأس يا مدن 
لا بأس يا حضرة الباشا الضابط
سأقول لكما كما قال مارك توين (علی ما اتذكر)
"سيقول البعض انني كنت جيدا وسيقول اخرين انني كنت سيئا ولكن المؤكد انني في النهاية سأموت ولم يفهمني احد علی الاطلاق"

والى لقاء في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة السابعة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
برغم أن الكلمات قد تبدو مبتذلة نسبة الى مشاعري الا أني مضطر أن اقول أنني اشتاق اليك
واني حين تغيبين اشعر انني
محبط كعلبة عصير وضعت يدك عليها قبل ان تقرري لسبب غامض ان تأخذي جارتها
يائس كنفس العلبة إذا اغتالتها اصابع زوجة سيد الوكيل الشريرة
تعيس الحظ كزوج مدام عنايات موظفة شئون الطلبة بالجامعة
غريب كدرع دوري كسبه فريق الزمالك او كموظف نشيط في هيئة حكومية
مهمل كقانون في وطن يدعي انه كذلك
منهك ككأس مقيدة الى سبيل مياه في شارع عمومي
متهالك كدفتر وفيات في السجل المدني
تائه كمذيع لم تصله تعليمات الاجهزة الامنية
بائس كهذا الزمن
كل ما ارجوه ان تكوني بجواري حين اشكو من الارق
كي تهزي لي سريري برفق
تداعبي شعري بحنان
وتغني لي أغنية بلحن قديم مثلي
ثم تحكي لي حكاية خيالية عن اشخاص سعداء
عن دنيا لا يكون فيها الحزن سرمديا الى هذا الحد
حكاية يمكن لقصص الحب فيها أن تكتمل ولا تذوي وتذبل هكذا ببساطة خلع العاهرات لملابسهن
حكاية يمكن للأحلام فيها أن تصمد في وجه القبح قليلا قبل أن تتحول الى أشباح تنهشنا
حكاية فيها وطن
شرط ان يكون وطنا حقيقيا يا مدن
وطن يبادل ابناءه الحب
وطن يموت فيه الناس لاسباب اكثر منطقية من كونهم يمشون مسرعين
وطن لا يشيخ فيه ابناء العشرين والثلاثين قبل أوانهم
وطن يدفع فيه الظالم ثمن الظلم
ويكلل فيه الخونة والمنافقين بالعار والفضيحة
واذا خفت من المبالغة
فعلى الاقل لا تتركيهم في حكايتك يكرموا وينعموا ويحتفي بهم الناس
وطن لا يعتبر المطالبة بالحرية والكرامة محض جريمة تستحق أن يسحق مرتكبها بلا رحمة
وطن لا تبح فيه أصواتنا لاقناع الناس أنه لا أمان بلا حرية وانه لا يمكن أن يتحقق استقرار على كل هذا القدر من الدماء
وأن الاخرين لا يستحقوا القتل لمجرد أنهم آخرين
احك لي حكاية تظل فيها الاشياء الجميلة جميلة دون أن يثير هذا دهشة أحدهم
حكاية لا يمتلك فيها القبح والابتذال تلك الوقاحة و الجرأة والتباهي
حكاية ينتصر فيها الخير ولو في معركة وحيدة فقط
حكاية مليئة بالأصدقاء
الكثير من الاصدقاء
يتبادل فيها الناس الابتسامات والتحية دون انتظار المقابل
لا يكون كل شيء فيها قابل للتسعير
حكاية لا يرحل فيها الاحبة هكذا بلا انذار
رحيلا مفاجئا يخلف شعورا بالذنب ينخر الروح
بلا وداع يليق بحبهم ويحتوي الحزن قبل أن يلتهم الفؤاد عن آخره
حكاية لا يرحل فيها الاباء قبل أن يدلوا الابناء على الطريقة المثلى للضياع من بعدهم
حكاية لا يؤدي كل مفترق فيها الى الوراء
حكاية يكون فيها القسوة واللامبالاة والجشع والكراهية فعلا غريبا مستهجنا
حكاية يكون فيها من الالم والمعاناة والقهر والحيرة ما يمكن احتماله
واحرصي ان تكون حكايتك خالية من الخذلان تماما
تماما يا مدن
حكاية تكون فيها الحياة عكس كل ما في الحياة
واذا خلدت للنوم
لا تتوقفي عن الحكي
ابدا
فأنا لا أريد أن استيقظ
أتذكر جيدا يا حضرة الباشا الضابط أنني قلت في الرسالة السابقة أنني سأحاول أن تكون الرسالة القادمة أقل بؤسا
لكن من قال أن هذه هي الرسالة القادمة
دعك منه يا مدن أعلم أنك تتفهمين موقفي وتعذريني وما الحب إذن ان لم يكن قدرة كبيرة على الفهم والمشاركة
والى لقاء في رسالة قادمة ستكون كما يشاء لها الهوى
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة السادسة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مسا ؤك سكر
أحبك ثم أما بعد
هل تعلمي أن أول من استخدم (أما بعد) هو قُس (بضم القاف) بن ساعده الشاعر الجاهلي
أذكر اننا درسنا قصة حياته في الصف الاول الثانوي وكان مدرس اللغة العربية ينطق اسمه (قِس) بكسر القاف وكان هذا بدافع اخلاقي بطبيعة الحال ثم لم يتورع في نهاية الحصة أن يسب احد التلاميذ ويركله برجله بمنتهى العنف لأنه لم يجب على احد الاسئلة.
لا أذكر متى فقدتني بالضبط ؟ هل كان هذا في الثانوية أم بعدها ؟
سألت صديقي ابراهيم المؤمن بالعلم الى أقصى حد ذات مرة كيف لم يخترع العلم الحديث شيئا يمكننا من العثور على الاشياء المفقودة بنفس الطريقة التي نعثر بها على الموبايل عن طريق الرن عليه؟
لماذا الى الان لم تقم سامسونج او سوني بإضافة زر الى التليفزيون نضغط عليه فيطلق الريموت رنينا معينا لنعثر عليه بسهولة؟
وليس الريموت فقط بل الاشياء الأخرى التي ننسي عادة أين وضعناها كالمفاتيح والنظارات؟
ففاجئني أن هذا قد حدث بالفعل ؟
عندها طرأ في ذهني سؤال آخر أشد اهمية
ما رأيك يا مدن
هل يستطيع العلم أن يمنحنا زرا يعيد لنا أشياءنا المفقودة الاخرى؟ .. الاشياء الاكثر اهمية من المفاتيح والنظارات
هل يمكن أن يمنحنا زرا يعيد لليال الشتاء الحزينة الدفئ الذي لم يعد موجودا الا في اكواب القهوة والشاي
هل يقدر ان يمنحنا زرا يعيد لنا أحضان الآباء التي تسع الكون بأسره
زرا يعيد لنا اصواتهم التي تمنح أرواحنا ظهرا نحتمي به من خذلان الحياة
هل يقدر ان يمنحنا زرا يعيد لنا القدرة على البكاء على صدور امهاتنا بلا خجل
وزرا آخر يمنحهن القدرة على تحمل هذا البكاء
هل يقدم العلم لنا زرا يعيد لنا براءة الطفولة
الاحلام التي لم تكتمل
ارتعاشه النظرة الاولي
والهمسة الاولي
واللمسة الاولى
زرا يعيد الينا بعض البساطة
زرا يعيد لابتساماتنا الذابلة بعض الحياة
زرا يعيد لنا المعاني المفقودة لأي شئ مما يحدث حولنا
زرا يمنحنا وطن ...
أي وطن يا مدن
بشرط ان يكون وطنا حقيقيا
هل يمكن للعلم أن يمنحنا زرا يعيد الينا ( الونس)
الونس الذي لا يوجد سوى في جلسات الاصدقاء
أو يعيد الينا الاصدقاء أنفسهم
أيام كانت الضحكات مجانية .. تلقائية .. لا تحتاج جهدا ..
أيام كانت كلمات تبدو للآخرين عادية جدا ومبهمة .. تقتلنا ضحكا حتى نبدو في اعينهم مجموعة من الحمقى أو المجانين
أيام كنا نتسكع في الشوارع وتتقاذفنا المقاهي والارصفة بلا هدف سوى أن نبقى معا لأطول فترة ممكنه
زرا يعيد لنا الغائبون
الغائبون الذين لا يعودون أبدا .. مهما أردنا ذلك
وإذا كان العلم لا يستطيع أن يعيد لنا اشياءنا المفقودة يا مدن فهل يستطيع أن يصلح بعض ما أفسده
هل يستطيع ان يمنحنا زرا يقوم بترميم القلوب المنهكة والارواح المهترئة
هل يستطيع ان يمنحنا زرا يزيل السأم الذي يستتر في الصباحات الرتيبة والمكررة
زرا يزيل الخواء الداخلي الذي يعشش أسفل مقاعد السيارات وداخل أجهزة المحمول الذكية وبين ممرات الاسواق والمحلات وعلى طرقات المدن النظيفة الممهدة
رزا يزيل عنا الاقنعة والمشاعر المزيفة التي تطل من الابتسامات البلاستيكية اللزجة لموظفي الاستقبال وترحيباتهم الآلية الباردة
زرا يزيل عنا الخذلان
والخيانه
والقلق
زرا يزيل عنا الهوان
والاغتراب
والأرق
اغتراب الازمنة و الامكنة والروح
الأرق الذي يكسو كل الوسائد ويختبئ تحت كل الاغطية
هل يستطيع العلم أن يمنحنا زرا .. زرا واحدا
يعيد إلينا ارواحنا التائهة أو يزيل عنا الرغبة الملحة في العثور عليها
زرا يعيدني إليّ يا مدن يعيدني الي
هل يستطيع
أعلم يا حضرة الباشا الضابط أن التغيير هو سمة الحياة منذ الازل
لكنه لم يكن من قبل بهذه السرعة والقسوة والفظاعة يامدن
مدن أعلم أني أؤذيك بهذا الكلام لذا سأكتفي بهذا القدر
والى لقاء رسالة أخرى قادمة سأحاول أن تكون أقل بؤسا
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة الخامسة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
أحبك يا مدن
أحبك وأنا آكل
واحبك وانا أقرأ
واحبك وأنا أجلس مع أصدقائي
واحبك وأنا أتشاجر مع أمينة المزغودة
وأحبك وأنا ألعن سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة
واحبك وانا أقاوم اغواء صباح البنهاوي
وعندما تسألني أمي : هل أنت جائع
أجيبها: نعم جائع واحب مدن
أنا يا مدن أحبك في جميع أحوالي
في صحوي
ونومي
وجدي
وهزلي
وسري
وعلني
ترى أمازلت تذكرين تعارفنا الاول
قبل أن تنحل عقدة لساني وتفقهي قولي
يومها بادرتي بالتحية وقلتِ ( صباح الخير) مغلفة بابتسامة سحرية
لم أصدق أن هناك (صباح الخير) بهذا الجمال ..
فحدقت فيك كأبله ولم أرد .
ظننت أنني أتجاهلك وغادرت مسرعة..
فوددت أن أناديك باكيا (لا. . ليس الامر كما تظنين . . إطلاقا)
لا أذكر متى انحلت عقدة لساني فعليا وانتقل حديثي معك من خيالي الى الواقع
لكن لابد أنك تأكدت الان أنني على عكس ما كنت تعتقدين أعرف كلمات كثيرة غير (هه؟) التي لم أكن أنطق سواها كلما تحدثت معي
مدن أنا أراوغ
انا لست على مايرام يا مدن ولا جدوى من الانكار
لا أدري ماذا بي تحديدا ؟؟
هل بي شئ سوى أني أعيش في هذا الزمن؟؟
في هذا البلد!
هل تذكرين حين سألتيني عن السعادة وأجبتك انها هي تلك الفترات القصيرة التي يغفل فيها الحزن عنا لذا علينا أن نتعلق بها بشدة
جلسات الاصدقاء والاحبة ..أو ما تبقى منهم
جلستنا سويا في ظل شجرة الصفصاف العتيقة ..
آه الان تذكرت أن المجلس المحلي قطعها العام الماضي وزرع اخرى جديدة .. ليس لها ظل بعد
قطعوها دون أن يتسنى لنا أن نودعها ونودع القلب الذي رسمناه علي جذعها حول اسمينا !
هل رأيت؟؟
الذنب ليس ذنبي إذن
حين أضطر للاعتذار لأحدهم بأنه " ليس لدي وقت" افكر في هذه الاشياء التي تشغلني لهذه الدرجة
أفكر أنني قديم
قديم جدا
لا أنتمي لهذا العالم
ما معني أن يضيع المرء عمره ويكسب المال ؟!
بل ما معنى أن يضيع عمره ولا يكسب المال ؟!
أعلم ان هذا كلام حزين وقاتم
لكن فكري قليلا
أليس هذا مايليق بالعالم الذي نعيش فيه
بالبلد
بالزمن
بنا
دعيني أعتذر لك مقدما عما سيسببه لك هذا الكلام من ألم
لكن عذري الوحيد
والذي أتحجج به دائما
أنه كلاما حقيقيا .. صادقا
وان كنا لا نحب الكلام الصادق
لا نحب الصدق عموما
نحن مجتمع محافظ
متدين بطبعه
والحقيقة العارية تثير حفيظتنا
لذا نفضل الحقيقة المحتشمة
المغطاة
أو المنتقبة كما يفضل البعض أن يقول
مدن
سامحيني سأكتفي بهذا القدر
الى اللقاء في رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

الرسالة الرابعة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
في أحد البرامج الاذاعية سألت المذيعة عبد الحليم حافظ عن الشخص الذي سيصحبه معه إذا سافر للقمر وكان مسموح له اصطحاب شخص واحد فقط
فأجاب عبد الحليم انه سيصطحب كامل الشناوي الشاعر والصحفي المعروف مؤلف اغنية (لا تكذبي )الشهيرة
لم يكن كامل وسيم الملامح لكنه كان يملك شخصية مرحة ومحببه للجميع لكن هذه الشخصية الجميلة لم تشفع له لدى حبيبته الفنانة نجاة الصغيرة التي فضلت عليه الكاتب يوسف ادريس حسب الرواية التي يتدوالها الناس حول كواليس اغنية (لا تكذبي)
آه من النساء
عندما أتخيل نفس السؤال يطرح علي يا مدن أقرر بحسم أنني لن أصطحب أحد
نعم إذا افترض أني سأسافر للقمر وليس مسموحا لي سوى اصطحاب شخص واحد فلن أصطحب أحد
ليس حبا في الوحدة
وليس استغناء عن الناس
عن الاصدقاء
عنك يا مدن
غاية ما في الامر أن كثيرون يتوقعون أن يكونوا هم هذا الواحد
وانا افضل ان اتجرع مرارة الوحدة على أن أخذلهم

في رواية ربيع جابر البديعة ( دروز بلجراد) برغم مأساوية حكاية حنا يعقوب بطل الرواية
وبرغم العديد من المواقف المؤلمة والقاسية في الرواية
الا أن أكثر موقف آلمني وأثر في جدا هو موقف يبدو هامشيا في أحداث الرواية وليس له علاقة ببطل الرواية حيث تم القبض على أبناء الشيخ غفار عز الدين الخمسة وحكم عليهم بالنفي وحين شفع لهم لدى الحاكم سمح له الحاكم بان يختار واحد فقط من أبنائه لينقذه ويترك الباقيين ليواجهوا مصيرهم المؤلم
هل تتخيلي حجم المأساة التي وضع فيها الشيخ غفار يا مدن؟
هل تتخيلي حجم الالم والحسرة الذي سيعانيه بقية حياته؟
عندما تناقشنا حول الرواية قال عماد ولكنه على الاقل أنقذ أحدهم
وقلت أنا ولكنه خذل أربعة
الخذلان يا مدن .. الخذلان
أقسى ما يمكن أن يقاسيه المرء هو الخذلان
لا أتحمل أبدا أن أخذل أحد يا مدن
أبدا
ولهذا اكره الامل
في اغنيته الشهيرة (لحن الخلود) يقول فريد الاطرش " الحب من غير امل أسمى معاني الغرام"
والحقيقة أن الحياة برمتها بدون أمل هي أسمى معان الحياة
الامل مقلق ومؤلم وغير منطقي
لابد ان يكون غير منطقي والا لما كان امل
قبل عدة سنوات كنت اتجول خلال قنوات التلفزيون ووقفت عند احدى القنوات أظنها كانت قناة النيل الثقافية (القائمين على تلك القنوات يجب أن يعدموا في ميدان يا حضرة الباشا الضابط)
كان هناك مذيعا غريبا يستضيف ضيفا غريبا ويتحدثون في موضوع أغرب ثم جاءهم اتصال من مشاهد غريب القى عليهم السلام ولم يوجه كلامه للمذيع ولا للضيف بل وجه نداء لابنائه وزوجته ليقوموا بلم الغسيل أو تغطيته لانه لا يستطيع الاتصال بهم فقام المخرج بقطع الاتصال
المشهد كله كان عبثيا بامتياز
لكن اتدرين ما السبب في كل هذا العبث
انه الامل
الامل الذي جعل هذا المذيع الغريب يصدق ان هناك من يهتم ببرنامجه ويشاهده غير أبيه وامه ناهيك أن يتصل به
وهو الذي جعل هذا المتصل الغريب يتوقع أن أولاده وزوجته يمكن أن يشاهدوا برنامج مثل هذا البرنامج
الامل  أيضا هو الذي جعلني اتوقف عند هذه القناة ظنا مني أنني قد استفيد منها شيئا لمجرد ان اسمها " النيل الثقافية"
على العموم لقد كانت هذه التجربة درسا مهما في سبيل التخلص من الامل
حتى مزاج عم جلال البقال السيء كان بسبب الامل
عم جلال رجل عجوز جدا
هو أكبر أهل القرية سنا
وهو الوحيد الذي ماتت زوجته قبله
منذ ولدت وهو على نفس الهيئة لا يتغير كأنه شقيق عبد الوارث عسر
كأنه وصل المرحلة القصوى من الهرم
المرحلة التي لا يمكن أن يشيخ المرء بعدها
يقول عماد أن امه كانت تخبره أن عليه أن يشرب اللبن حتى لا يصبح مثل عم  جلال
ثم يضيف : لا أعلم ماذا كانت تقصد بكلمة (مثله ) هل تقصد حتى لا أصبح هزيلا ومحنيا مثله أم تقصد حتى لا أعيش حتى أودع كل احبابي وأبقى وحيدا ومنسيا مثله
عم جلال أيضا يمتلك قدرة عالية على الدعابة برغم عصبيته الشديدة وسرعة غضبه نحب انا وعماد أن نجلس معه ونستمع لحكاياته العذبة عن القرية وعن تاريخ عائلاتها واسرارها
لكن عم جلال اليوم لا يتكلم كثيرا
رحب بنا بفتور وبعد فترة من الشرود قلت محاولا حمله على الكلام : مبروك الخير اللي جالك ياعم جلال انا سمعت ان مرات نادر ولدت  هي جابت ايه ؟
ابتسم ابتسامه باهته وقال بخفوت : بنت
نادر ابن عم جلال الوحيد لا يعيش له اطفال
هذه المرة الرابعة الذي تلد فيها زوجته اشجان والمرات الثلاث الاولى ماتت الطفلة قبل أن تكمل العام
قلت محاولات الترويح عنه : ان شاء الله ربنا يخليهاله ويبارك فيها
فرد كأنه لم يسمعني : البت اشجان راحت ضريح الشيخ حسونه من اسبوع عشان تتبارك بيه قبل ما تولد وهناك قابلتها الولية الغجرية اللي  اسمها " عجايب " وقالت لها انت هتولدي بنت ولو عايزاها تعيش سميها " لميس"
كانت " عجايب" عجوز غجرية  تأتي لقريتنا في مواسم الحصاد وتقيم خلال هذه الفترة في ضريح الشيخ حسونة وكنا نتجبنها ونحن صغار لانها كانت غريبة الاطوار و لها نظرات مخيفة ويحيطها غموض مريب  لكنني لم اجد في حديثها مع أشجان ما يقلق فسألته : وايه المشكلة؟
فرد بضيق : ايه المشكلة ازاي يا وليد ؟ البت اقنعت نادر وعايزين يسموا بنتهم "لميس" والمشكلة لو انا عارضت والبنت جرى لها حاجه هشيل ذنبها بس برضه انا عندي تموت ولا انها تكبر وهي لميس
فسأل عماد بدهشة كبيرة : ده كله عشان اسم لميس يا عم جلال ؟
- طبعا يا بني الولية عجايب دي ملعونه والاسم ده تعويذة شريرة .. وكل اللي اسمهم لميس بيعيشوا مدة طويلة صحيح لكن بيجيلهم لعنه وبيتحولوا لكائنات غريبة شكلهم من برة بني آدمين لكن هم مش بني آدمين .. انتو ما بتشوفوش تلفزيون ولا ايه  
أفزعتنا نظرية عم جلال فغادرناه على عجل قبل أن يدخل في التفاصيل
هل تصدقي هذه الحكاية حول اسم لميس يا مدن ؟
هل تصدق يا حضرة الباشا الضابط؟ كم لميسا يعمل معكم في الامن الوطني ؟
انا عن نفسي أصدق عم جلال في كل حكاياته
بالمناسبة هو يعرف حكايات كثيرة قد يأتي الوقت وأحكيها لك يا مدن أما الرسالة القادمة فلا أعلم تحديدا ماذا الذي سأقوله لك فيها   لكن الاكيد أنه ان كان لي عمر فسيكون هناك رسالة قادمة
هذا طبعا إذا سمح  الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة الثالثة عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
يقتلني عجز اللغة يا مدن
المشاعر المحبوسة بداخلي تزأر بغضب
تخمش أضلاعي بمخالب طائر اسطوري محبوس في قفص
أتدرين اني لم أرض أبدا عن أيا من الرسائل التي أكتبها لك؟
كيف أصف لك كم أحبك
كم أهواك
كم اشتاق للذوبان فيك
للتلاشي بك
أفكر جديا أن أضع قلبي ( هنا ) كي تفهمي ما أعنيه
لكنني أتراجع في النهاية كالعادة وابرر تراجعي بأنني أخشي أن أتعدى على ما لا أملكه
أعلم أني اكذب
واصدقني
أصبح اطفال القرية الاشرار يتعاملون معي على أني مجنون يا مدن
يتجنبون المرور بجواري
وكلما مررت بهم يتهامسون ويشيرون الى ثم يضحكون
ترى هل أخبرتهم أمينة المزغودة بسري
كنت اقف في غرفتي معطيا ظهري لباب الغرفة وامارس طقسي المعتاد
العن الفراغ والخواء الذي يزاحمني في الغرفة
اسب اللاشئ الذي يعبق المكان بألفاظ شديدة البذاءة والسوقية
(لا أستطيع ان أصف لك يا مدن مدى الراحة والطمأنينة التي تعتريني بعد هذا الطقس الممتع)
ثم التفت لأراقب ملامحي في المرآة وهي تتحول بعد هذا الكم من السباب لملامح سائق ميكروباص محترف
ففوجئت بالمزغودة واقفة خلفي تضع يدها اليمني على خصرها وتضع سبابتها اليسرى على شفتها السفلى قبل تقول بدهشة وهي ترفع حاجبها الايمن : مسم . . اللهم احفظنا.. بتشتم مين يا سي وليد
نظرت لها نظرة شريرة كنظرات زكي رستم في رصيف نمرة خمسة ثم قلت بنبرة مهددة : لوحد شم خبر باللي شفتيه دلوقتي هدبحك
ثم صرخت بقوة هادرة : امشي اطلعي برررة
ففرت مرعوبة
وظلت تخشى التعامل معي من بعدها وحتى واقعة الفأر المخزية
لابد انها انتقمت مني بعدها بسبب الرعب الذي سببته لها
أم انه نبيل الحلاق الغبي الذي يمسكني من أنفي ينتقم مني بعدما سببته أمام زبائنه وتركت له المحل
هل يمكن أن يصور له غباؤه ان تلك الواقعة كان من اعراض الجنون
كانت هناك ذبابة ضخمة تحط على المرآة أمامي اثناء الحلاقة وعندما هم نبيل بقتلها مستخدما مجلة قديمة صرخت فيه بفزع وطلبت منه الا يفعل
فسألني باستغراب : بتقرف؟
فقل له بعفوية شديدة : مش الفكرة .. بس شكلها حامل
بعد ان سمع اجابتي تطلع في بدهشة قرابة الدقيقة ثم أبعد الامواس والمقصات من امامي وبدأ من بعدها يعاملني بحرص وحذر حتى يوم مشاجرة صباح البنهاوي
هل يكون هو؟
لا أدري
على كل ٍ أنا لا أغضب من اتهامي بالجنون بل على العكس
فهذا يعني أنني مختلف عن القطيع ومتميز ولا بأس أن يفسر الاغبياء الذين يحيطون بي هذا الاختلاف على أنه جنون
أقول لعماد أثناء تجوالنا على حدود القرية
ان الاختلاف والتفرد هو الحياة
هو قيمة الانسان
وفجأة يقتحم خلوتنا شريف الوكيل شقيق سيد الوكيل ذو الرائحة الكريهة و يقطع حبل افكارنا بلزوجته المعهودة
دائما ما يظهر هذا الوغد في الاوقات الغير مناسبة كعطسة تداهمك أثناء السجود فلا تدرين من أي مكان خرجت !
عم جلال البقال يسميه شريف أنبوبة لأنه على حد قوله كالأنبوبة لا ينفد الغاز منها الا ونحن في أمس الحاجه لها
سلم شريف على عماد وبدأ يمشي معنا
الوغد السمج يتعامل مع عماد على أنه ثري عربي ويريد أن يشاركه في أي (مصلحة) حسب تعبيره
عندما بدأ يعرض افكاره التجارية سئمت منه وشعرت برغبه عارمة في قتله خنقا
القتل خنقا من أفضل الطرق للانتقام من الاوغاد ولإفراغ الرغبة العدوانية الكامنة في الانسان
شعرت بالراحة تغمرني وانا اتخيل وجهه المحتقن وهو يتحول رويدا رويدا الى اللون الازرق وزراعاه يجدفان في الهواء بلا طائل قبل ان تخمدان ببطء وتسقطان بجواره ويرتاح العالم من شروره وسماجته
أفقت من شرودي على ضحكته السخيفة وهو مازال يحكي لعماد عن افكاره التجارية الخطيرة
ولما كنا في مكان مكشوف فقد اكتفيت بان تظاهرت بالتعثر في الارض ودفعته بكل قوة فسقط في ارض موحلة يعدها صاحبها لزراعة الارز
اعتذرت له بلامبالاة فنظر لي نظرة غاضبة ثم تجاهلني وقال لعماد وهو ينفض الطين من على ملابسه بلا جدوى : حصل خير هروح اغير وارجع . . استناني
بعد ان ابتعد قليلا ضحكنا كثيرا وقال لي عماد ويخبط كفا بكف : شرير
فرددت ببراءة : بالعكس
قال عماد بلهجة حاول ان يمنحها الكثير من الجدية : انما يأكل الذئب من الغنم القاصية
فقلت له كان هذا فيما مضى ذئب هذه الايام يأكل الغنم كلها القاصية والدانية فاذا كان الامر كذلك فأنا افضل أن يأكلني الذئب وحيدا
متفردا
الذين يؤكلون في جماعات يتحولون الى مجرد أرقام
احصاء في جريدة بعد أن يفرغ الناس من قراءتها سيفرشونها على موائدهم المتخمة باللحم والارز واللامبالاة والقسوة والنهم
وسينسون أنه في نفس هذه اللحظة في مكان ما من الارض
هناك أم أصبح فؤادها فارغا
هناك أم أصبح بامكانها ان تنام مبكرا لأنه لم يعد هناك من تسهر كي تطمئن على عودته لكن الغريب ان النوم مبكرا لن يريحها
هناك ابنه ستذهب في حفل نهاية العام الدراسي وحدها وعندما تطلب منها المدرسة أن تحضر ولي امرها
ستحتار
ستحتار رغم ان هذا الامر لا يجب أن يكون محيرا
أبدا
أبدا يا مدن
أما أنا فاذا لم تكتب لي الحياة كما أتمنى فعلى الاقل ار يد موتة تليق بي
اريد أن بيكني الناس بما يليق بانسان
يذكرون اسمي
ويعرفون صورتي
شرد عماد في كلماتي ثم سألني : هل تحب جيفارا ؟
أدهشني أنني تذكرته أيضا فقلت له وانا على دهشتي : نعم . . جدا
- ولكنه اصبح مستبدا في نهاية حياته
- احبه في المرحلة التي سبقت تحوله الى مستبد . . حين وهب حياته للآخرين .. للمظلومين والمضطهدين. . حين قال انني اشعر بكل صفعة تنزل على وجه مظلوم على هذه الارض
- الا يجب ان نقيم الانسان بجميع مراحل حياته
- هكذا لن يتبقى لنا أحد لنحبه .. ثم إذا سلمنا لمنطقك لماذا تصر على محاسبته على مرحلة الاستبداد وتنسى كل التضحيات التي قام بها
- انما يحاسب المرء بخواتيم اعماله؟
- مالنا والآخرة
- اتحبه أكثر أم الطرسوسي؟
- اسئلتك الليله غريبة
- أجبني
- احب المسيح أكثر
- ولم؟
- لأنه تعرض للظلم من كل الناس .. ظلمه محبوه واتباعه أكثر مما ظلمه خصومة
- اكنت تكون في صفه لو كنت موجودا ؟
- كلا بالتأكيد
- !!؟؟؟
- ربما لأني لم اصل أبدا ليقين يدفعني للقتال الروحي دفاعا عنه! وربما لأني جبان! وربما لكلاهما!
لمحنا خيال انسان آت من بعيد فقطعنا حديثنا وتبادلنا نظرات مصدومة خشية أن يكون شريف انبوبة قد عاد كالعادة في وقت غير مناسب
وفجأة قال عماد بمرح : هيا نعدو
- الى أين؟
- لا يهم .. المهم أن نهرب .. علينا أن نفكر الان في الهرب .. فقط في الهرب
عدونا لكننا لم نسبق ظلنا وحملتنا سيقاننا الى عم جلال البقال الذي لم يكن في مزاج جيد على غير العادة لأن زوجة ابنه الحيله قد ولدت للتو والمولودة كانت للمرة الرابعة انثى
لا يا حضرة الباشا الضابط ليست المشكلة انها انثى عم جلال ليس من هذه النوعية المشكلة اكبر من هذا بكثير
لكن اسمحي لي يا مدن ان أحكي لك عنها في الرسالة القادمة
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما

الرسالة الثانية عشر : وليد حمدي اسرائيل

عزيزتي مدن
مساؤك سكر
كيف كنت احتمل هذه الدنيا قبلك يا مدن ؟
بالأمس سألني صديقي ماذا ستفعل إذا تركتك؟ هل ستنتحر؟
فقلت له باستغراب : أينتحر الأموات؟
ليس في قريتنا مجذوب ولا في القرى المحيطة بنا ولهذا لا أثق في الدراما المصرية
في البداية امتنعت عن مشاهدتها لكني كنت اتقبل الامر بصدر رحب اذا تصادف وجودي في مكان يعرضها واستمر هذا الحال معي لفترة طويلة حتى تصادف ورأيت ذلك المشهد في محل نبيل الحلاق الغبي الذي يمسكني من أنفي كان مسلسل عن الصعيد وفي المشهد وقف رياض الخولي بجسده الضخم وقال لابنه (احمد عبد الغني) باستعطاف : اني لازم اتجوز يا ولدي عشان اخلف واد ولا اتنين بدل اخوك اللي مات !!!
بعدها اتخذت قرارا نهائيا بعدم مشاهدة أي مشهد من الدراما المصرية أيا كان السبب أو الظروف
لا احد يعوض غياب احد يا مدن
اطلاقا
الام لا تعوض الاب
والصديق لا يعوضه صديق اخر
أو اخ
أو زوجة
مهما حاولوا
مهما اجتهدوا
كل قريب يغيب يترك في روحك علامة
بصمة
مكانا لا يسع شخصا آخر
فراغا لا يمتلئ الا به
اذا عشت معظم عمرك مع شخص ثم غاب هذا الشخص الست بذلك تفقدين جزءا من روحك !!
في مقال قديم للعبقري الجميل عمر طاهر كان يقول انه عندما يختفي اللون الاخضر من الحياة فمن المحتمل ان يحاول الازرق تعويض غيابه
انه سيجتهد بإخلاص وعزيمة
سيبذل قصارى جهده
لكنه لن يصبح أخضر
مهما اراد ذلك
هل تفهم شيئا مما مضى يا حضرة الضابط
هل هناك امل
أي أمل ان تفهم شيئا من هذه الرسائل
آه صحيح كدت انسى
اريد منك خدمة يا حضرة الباشا الضابط
اريدك ان تتوسط لعبد الله للعمل لدى احد معارفك من اصحاب القنوات الفضائية
الولد قرر أن يبحث عن عمل حتى يتمكن من الانفاق على خروجاته مع صباح البنهاوي ذات التضاريس البارزة
الفاجرة تبتزه
في كل مرة تخرج معه تبدي إعجابها بحذاء
أو فستان
أو عباءة
هذا طبعا بعد ان تكون قد طفحت الكباب والكفتة في احد المطاعم الفخمة
والولد المغفل لم يعد يقوى على مجاراتها من المصروف الذي يحصل عليه من والده
لذلك قرر أن يعمل وطلب مني المساعدة
وبما انه لم يكمل تعليمه وليس لديه أي موهبه أو حرفة كما انه يمتلك مستوى متميز جدا من الغباء والعته فقد رأيت أن انسب شئ له هو أن يعمل خبير استراتيجي في أي قناة فضائية واحب أن اطمئنك انه سيشرفك فقد قمت بإعطائه بعض النصائح المفيدة بنفسي
فأخبرته ان عليه أن يستخدم كلمة " إرهاصات" في بداية حديثة حتى يجذب اذن المستمع
كما أكدت عليه يذكر عبارة " حروب الجيل الرابع " من ثلاث الى اربع مرات على الاقل
وان يثني على السيد الرئيس والاجهزة الامنيه
ويحذر من خطر الاخوان والتنظيم الدولي والماسونية العالمية
ولا بأس أن يذكر انه حصل على معلوماته من مذكرات هيلاري كلينتون وتقارير كلية الحرب الامريكية وابحاث جامعة ماساتشوستس لكنه عندما لم ينجح في نطق الاخيرة نصحته ان يستبدلها بعبارة "أحدث الابحاث العالمية"
سأكون شاكرا جدا يا حضرة الباشا الضابط لو ساعدته
لم يعد الامر متوقفا على أن صباح تستحق الحب أم لا يا مدن
حاولت أن اشرح له ان فتاة تأكل نصف كيلو طرب مع السلطات والخبز في وجبه واحده لا يمكن أن تعرف الحب لكن يبدو أن أمر الله قد نفد
لقد تمكن الحب من قلب رامي
لو رأيت كيف تلمع عينيه ويشرق وجهه حين يتحدث عنها لعرفت أن أوان النصح والكلام قد فات
طريق الحب اذا بدأ لابد أن يمضيه الانسان الى النهاية
وليس في الامكان الا محاولة تقليل الخسائر
على كلٍ
هذا طبعا إذا سمح الباشا الضابط وتغلب فضوله على غبائه فتركني أكتبها
المخلص لك دائما
وليد

حقوق الطبع والنشر ، محفوظة لـ مجلة انا وذاتي